تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٨٣
قلنا: من قال: بان الآية مخصوصة بمن كفر بعد إيمانه. فقد تخلص من هذا السؤال، غير أن هذا لا يصح عندنا، من أن من آمن باللّه لا يجوز أن يكفر.
و ان حملنا علي اظهار الايمان، لم يكن في الآية توبيخ، و لا ذم. و الآية تتضمن التوبيخ علي ما هم عليه، لأنها اشارة الي ما تقدم و تلك صفات المنافقين. و الجواب عن ذلک ان نقول: إن من ارتكب الضلالة و ترك الهدي، جاز ان يقال ذلک فيه و يکون معناه: کان الهدي ألذي تركه هو الثمن ألذي جعله عوضاً عن الضلالة الّتي أخذها فيكون المشتري أخذ المشتري مكان الثمن المشتري به کما قال الشاعر:
أخذت بالجمة رأساً أزعرا و بالثنايا الواضحات الدردرا
و بالطويل العمر عمراً جيدرا کما اشتري المسلم إذ تنصرا[١]
و منهم من قال: استحبوا الضلالة علي الهدي انما قال ذلک لقوله تعالي: (وَ أَمّا ثَمُودُ فَهَدَيناهُم فَاستَحَبُّوا العَمي عَلَي الهُدي»[٢] فحمل هذه الآية عليه. و من حملها علي انهم اختاروا الضلالة علي الهدي. فان ذلک مستعمل في اللغة يقولون اشتريت كذا علي كذا. و اشتريته يعنون اخترته. قال اعشي بني ثعلبة.
فقد اخرج الكاعب المسترا[٣] ة من خدرها و اشيع القمارا
يعني: المختارة. قال ذو الرمة في معني الاختيار:
يذب القصايا عن شراة كأنها جماهير تحت المدجنات الهواضب[٤]
و قال آخر:
[١] زعر الشعر فهو زعر و ازعر: قل و تفرق.
الدردر: مغارز أسنان الصبي، أو هي قبل نباتها و بعد سقوطها. الجيدر: القصير و المراد قصير العمر
[٢] سورة حم السجدة: آية ١٧.
[٣] في الطبعة الايرانية «المشتراة) و كذلك في مخطوطة تفسير. الطبري اما في ديوانه ٣٥ و طبقات فحول الشعراء ٣٦ و اللسان «سرا) فكما ذكرنا.
[٤] ديوانه. يُذب: يدفع و يطرد. و القصايا: و هي من الإبل رذالتها ضعفت فتخلفت.
و جماهير ج جمهور: و هو رمله مشرفة علي ما حولها. و الهواضب: الّتي دام مطرها. و المدجنات من سحابة داجنة: أي كثيفة.