تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١٥
بالمثل. فعلم بذلك أنه أراد أنه ليس عليهم و جعله حيرة لهم قلنا أول ما في ذلک انا لا نطلق أن اللّه لا يضل احداً و لا يهدي احداً. و من اطلق ذلک، فقد اخطأ. و لا نقول ايضاً إن العباد يضلون أنفسهم و يهدونها مطلقاً او يضلون غيرهم و يهدونه. فان إطلاق جميع ذلک خطأ، بل نقول: إن اللّه يضل من يشاء و يهدي من يشاء. و نقول: إن من أضله اللّه فهو الضال و من هداه فهو المهتدي، و لكن لا نريد بذلك ما يريده المخالف مما يؤدي الي التظليم و التجوير للّه في حكمه و المخالف يقول: إن اللّه يضل كثيراً من خلقه بمعني انه يصدهم عن طاعته، و يحول بينهم و بين معرفته، و يلبس عليهم الأمور و يحيرهم و يغالطهم، و يشككهم و يوقفهم في الضلالة، و يجبرهم عليها. و منهم من يقول: يخلقها فيهم، و يخلق فيهم قدرة موجبة له، و بمنعهم الأمر ألذي به يخرجون منها، فيصفون اللّه تعالي بأقبح الصفات و أخسها. و قالوا فيه بشرّ الأقوال. و قلنا نحن: إن اللّه قد هدي قوماً و أضل آخرين، و أنه يضل من يشاء. غير أن لفضله و كرمه، و عدله و رحمته لا يشاء أن يضل إلا من ضل و كفر و ترك طريق الهدي و إنه لا يشاء ان يضل المهتدين و المتمسكين بطاعته، بل شاء أن يهديهم و يزيدهم هدي، فانه يهدي المؤمنين بان يخرجهم من الظلمات الي النور. کما قال تعالي: «وَ الَّذِينَ اهتَدَوا زادَهُم هُديً وَ آتاهُم تَقواهُم»[١] و قال: (وَ مَن يُؤمِن بِاللّهِ يَهدِ قَلبَهُ)[٢]. و قال:
«اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُماتِ إِلَي النُّورِ»[٣] و قال: «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الفاسِقِينَ. الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهدَ اللّهِ مِن بَعدِ مِيثاقِهِ وَ يَقطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَ يُفسِدُونَ فِي الأَرضِ أُولئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ»[٤] و قال: «وَ يُضِلُّ اللّهُ الظّالِمِينَ»[٥]. و الإضلال علي وجوه كثيرة منها:
- ما نسبه اللّه تعالي الي الشيطان: و هو الصد عن الخير و الرشد و الدعاء الي
[١] سورة محمّد: آية ١٧.
[٢] سورة التغابن: آية ١١.
[٣] سورة البقرة: آية ٢٥٧.
[٤] سورة البقرة: آية ٢٧.
[٥] سورة ابراهيم: آية ٢٧.