تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٣
«فَاتَّخَذتُمُوهُم سِخرِيًّا حَتّي أَنسَوكُم ذِكرِي»[١] و المؤمنون ما أنسوهم ذكر اللّه بل كانوا يدعونهم اليه تعالي، لكن لما نسوا ذكر اللّه عند ضحكهم من المؤمنين و اتخاذهم إياهم سخرياً، جاز أن يقال: إن المؤمنين انسوهم. و يقول القائل لغيره إذا وعظه فلم يقبل نصيحته: قد كنت شريراً فزادتك نصيحتي شرا. و انما يريد أنه ازداد عنده. فلما کان المنافقون فقد مرضت قلوبهم بما فيها من الشك، ثم ازدادوا شكا و كفرا عند ما کان تجدد من امر اللّه و نهيه، و ما ينزل من آياته، جاز أن يقال: [فَزادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً] فان قيل: فعلي هذا ينبغي أن يکون انزال الآيات مفسدة، لأنهم يزدادون عند ذلک الكفر. قلنا: ليس احد المفسدة ما وقع عنده الفساد، و انما المفسدة ما وقع عندها الفساد، و لولاها لم يقع، و لم يكن تمكيناً، و هذا تمكين لهم من النظر في معجزاته و دلائله، فلم يكن استفساداً و لو کان الأمر علي ما قالته المجبّرة: إن اللّه يخلق فيهم الكفر لقالت الكفار ما ذنبنا، و اللّه تعالي يخلق فينا الكفر، و يمنعنا من الايمان. فلم تلوموننا علي ما فعله اللّه!
فتكون الحجة لهم لا عليهم. و ذلک باطل، و التقدير في الآية في اعتقاد قلوبهم ألذي يعتقدونه في الدين و التصديق بنبيه مرض، و حذف المضاف و اقام المضاف اليه مقامه.
قال الشاعر:
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ان كنت جاهلة بما[٢] لم تعلمي
يعني اصحاب الخيل کما قال: [ يا خيل الله اركبي] يعني يا اصحاب خيل الله، و کما قال تعالي: [وَ سئَلِ القَريَةَ][٣] و انما أراد أهلها. و روي عن إبن عباس أن المرض المراد به الشك و النفاق، و به قال قتادة و عبد الرحمن بن زيد و الكذب ضد الصدق، و هو الاخبار عن الشيء لا علي ما هو به، يقال كذب يكذب كذبا و كذابا- خفيف و ثقيل- مصدران. و الكذب كالضحك و الكذاب كالكتاب و الإكذاب: جعل الفاعل علي صفة الكذب. و التكذب: التحلي
[١] سورة الأحزاب: آية ١١١.
[٢] في الطبعة الايرانية (لما)
[٣] سورة يوسف: آية ٨٢.