تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٤٢
و التسليم انهم لا يعلمون إلا ما علمهم اللّه.
و قوله: «سبحانك» نصب علي المصدر و معناه نسبحك و سبحانك مصدر لا ينصرف. و قدمنا في ما مضي أن معني التسبيح التنزيه و معناه ها هنا تبرياً منهم أن يعلموا الغيب و اقراراً أنه المختص به تعالي دون غيره.
و قوله: «العَلِيمُ الحَكِيمُ» معني عليم أنه عالم و فيه مبالغة و من صفات ذاته و إذا كانت كذلك، أفادت انه عالم بجميع المعلومات و يوصف به في ما لم يزل، لأن ذلک واجب في العالم نفسه. و قوله: «الحكيم» يحتمل أمرين:
أحدهما- انه عالم، لأن العالم بالشيء يسمي بأنه حكيم فعلي هذا يکون من صفات الذات مثل العالم و قد بيناه.
و الثاني- ان يکون من صفات الافعال و معني ذلک أن أفعاله محكمة متقنة و صواب ليس فيها وجه من وجوه القبح و لا التفاوت و لا يوصف بذلك في ما لم يزل. و روي عن إبن عباس انه قال: العليم ألذي كمل علمه. و الحكيم: ألذي كمل في حكمته و قد قيل في معني حكيم: انه المانع من الفساد و منه سميت حكمة اللجام لأنها تمنع الفرس من الجري الشديد قال جرير:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم ان اغضبا
أي امنعوهم. و الأحكام و الاتفاق و الاتساق و الانتظام متقاربة. و الحكمة.
نقبض السفه يقال: حكم حكما و احكم إحكاما. و يقال: أحكم فلان عمله إذا بالغ فيه فأصاب حقيقته و الحكمة هي الّتي تقف بك علي مرّ الحق ألذي لا يخلطه باطل، و الصدق ألذي لا يشوبه كذب و منه قوله: «حِكمَةٌ بالِغَةٌ»[١] و الحكم بين النّاس هو ألذي يرضي به ليقف الأشياء مواضعها و منه قوله: «فَابعَثُوا حَكَماً مِن أَهلِهِ وَ حَكَماً مِن أَهلِها»[٢] و الحاكم القاضي بين النّاس، و ليقفهم علي الحق و يقال: رجل حكيم إذا کان ذلک شانه و كانت معه اصول من العلم و المعرفة،
[١] سورة القمر: آية ٥.
[٢] سورة النساء: آية ٣٤.