تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٠٥
قوله تعالي: [سورة البقرة (٢): آية ٤٦]
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاقُوا رَبِّهِم وَ أَنَّهُم إِلَيهِ راجِعُونَ (٤٦)
آية بلا خلاف.
ان قيل كيف اخبر اللّه عمن وصفه بالخشوع بالطاعة، و مدحهم بذلك بأنهم يظنون بأنهم ملاقوا ربهم. و ذلک مناف لصفة المدح! قلنا: الظن المذكور في الآية المراد به العلم و اليقين. قال دريد بن الصمة:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسيّ المسرّد
و قال عمير بن طارق:
بان تغتزوا قومي و اقعد فيكم و اجعل مني الظن غيباً مرجماً[١]
و قال ابو داود[٢]:
ربّ هم فرجته بعزيم و غيوب كشفتها بظنون
و قال المبرد: ليس من كلام العرب: أظن عند زيد مالًا، يريد: أعلم لأن العلم المشاهد لا يناسب باب الظن. و قد أفصح في ذلک أوس بن حجر في قوله:
الألمعي ألذي يظن بك الظن كأن قد رأي و قد سمعا
و قال آخر:
فالّا يأتكم خبر يقين فان الظن ينقص او يزبد
و قال بعض الشيوخ: اصل الظن ما يجول في النفس من الخاطر ألذي يغلب علي القلب، كأنه حديث النفس بالشيء، و تأول جميع ما في القرآن من معني العلم علي هذا. و قال الحسن و ابو الغالية و مجاهد و إبن جريح: يظنون، أي يوقنون.
و مثله: «ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَه»[٣] أي علمت و مثله: «وَ ظَنُّوا أَن لا مَلجَأَ مِنَ اللّهِ إِلّا إِلَيهِ»[٤]، و معناه استيقنوا. و قوله
[١] في الايرانية بدل: (بأن تغتزوا) (فان تغتروا) و بدل (غيبا) (عينا)، البيت في نقائض جرير و الفرزدق- و روايته. (و أجلس فيكم) و (و أجعل علمي ظن غيب مرجما).
[٢] في الايرانية: (الذواد).
[٣] سورة الحاقة: آية ٢٠
[٤] سورة التوبة آية: ١١٩.