تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٥٩
لأنها خلقت من المرء فأما تسميتها حواء: لما أدخل آدم الجنة و اخرج منها إبليس و لعن و طرد فاستوحش. فخلقت ليسكن اليها. فقالت له الملائكة تجربة لعلمه:
ما اسمها! قال حواء. قالوا لم سميت حواء! قال: لأنها خلقت من شيء حي.
و قال إبن إسحاق: خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنه، ثم دخلا جميعاً الجنة لقوله تعالي: «يا آدَمُ اسكُن أَنتَ وَ زَوجُكَ الجَنَّةَ» الّتي کان فيها آدم في السماء، لأنه أهبطهما منها. و قال ابو مسلم محمّد بن يحيي: هي في الإرض، لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة الّتي نهاهما عنها دون غيرها من الثمار.
و «حيث» مبنية علي الضم کما تبني الغاية: نحو من قبل و من بعد، لأنه منع من الاضافة [الي المفرد] کما منعت الغاية من الاضافة الي مفرد.
و قوله: «وَ لا تَقرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ» صيغته صيغة النهي. و المراد به الندب عندنا لأنه دل الدليل علي أن النهي لا يکون نهياً الي بكراهته للمنهي عنه. و اللّه تعالي لا يكره إلا القبيح. و الأنبياء لا يجوز عليهم القبائح: صغيرها و لا كبيرها.
و قالت المعتزلة: إن تلك كانت صغيرة من آدم- علي اختلافهم في انه کان منه عمداً أو سهواً أو تأويلا- و انما قلنا لا يجوز عليهم القبائح، لأنها لو جازت عليهم لوجب أن يستحقوا بها ذماً، و عقابا و براءة و لعنة، لأن المعاصي كلها كبائر عندنا و الإحباط باطل و لو جاز ذلک لنفر عن قبول قولهم. و ذلک لا يجوز عليهم کما لا يجوز کل منفر عنهم من الكبائر و الخلق المشوهة و الأخلاق المنفرة. و لا خلاف أن النهي يتناول الأكل دون القرب كأنه قال: لا تقربا بالأكل لأنه لا خلاف أن المخالفة وقعت بالأكل لا بالدنو منها و لذلك قال: «فَأَكَلا مِنها فَبَدَت لَهُما سَوآتُهُما» و قوله: «فَتَكُونا» يحتمل أن يکون جواباً للنهي فيكون موضعه نصباً.
و هو الأقوي و يحتمل أن يکون عطفاً علي النهي فيكون موضعه جزماً و كلاهما جيد محتمل و متي کان جواباً کان تقديره: إن قربتما كنتما من الظالمين، لأنه بتضمن معني الجواب و إذا کان عطفاً علي النهي فكأنه قال: لا تكونا من الظالمين. و أجاز البصريون من اهل العدل أن يبتدئ اللّه الخلق في الجنة فينعمهم فيها تفضلا منه