تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٩٠
أحدهما- ما روي عن إبن عباس، أنه علي الذم و الاستبطاء.
و الثاني- ما روي عن إبن مسعود، انهم لا يرجعون الي الإسلام. و قال قوم: إنهم لا يرجعون عن شراء الضلالة بالهدي. و هو أليق بما تقدم و هذا يدل علي أن قوله: «خَتَمَ اللّهُ عَلي قُلُوبِهِم» و طبع اللّه عليها، ليس هو علي وجه الحيلولة بينهم و بين الايمان، لأنه وصفهم بالصم و البكم، و العمي مع صحة حواسهم.
و انما أخبر بذلك عن إلفهم الكفر و استثقالهم للحق و الايمان كأنهم ما سمعوه و لا رأوه فلذلك قال: (طَبَعَ اللّهُ عَلي قُلُوبِهِم) (و أضلهم) (و أصمهم) (و أعمي أبصارهم) (و جعل علي قلوبهم أكنة) «فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُم» و کان ذلک إخباراً عما أحدثوه عند امتحان اللّه إياهم و أمره لهم بالطاعة و الايمان لأنه ما فعل بهم ما منعهم من الايمان. و قد يقول الرجل: حب المال قد أعمي فلاناً و أصمه و لا يريد بذلك نفي حاسته لكنه إذا شغله عن الحقوق و القيام بما يجب عليه قيل: أصمه و أعماه و کما قيل في المثل: حبك للشيء يعمي و يصم- و يريدون به ما قلناه- و قال مسكين الدارمي:
أعمي إذا ما جارتي خرجت حتي يواري جارتي الخدر
و يصم عما کان بينهما سمعي و ما بي غيره وقر[١]
و قال آخر: أصم عما ساءه سميع. فجمع الوصفين. و انما جاز «صُمٌّ وَ بُكمٌ» بعد وصف حالهم في الآخرة کما في قوله: (وَ تَرَكَهُم فِي ظُلُماتٍ لا يُبصِرُونَ) لامرين:
أحدهما- ان المعتمد من الكلام علي ضرب المثل لهم في الدنيا في الانتفاع بإظهار الايمان.
الثاني- إنه اعتراض بين مثلين بما يحقق حالهم فيهما علي سائر أمرهما. و قيل إن معناه: التقديم و التأخير
[١] في الطبعة الايرانية بدل (يصم) (تصم) و بدل: (سمعي) (أذني) و بدل (بي) (في) و بدل (غيره) (سمعها) و البيتان في (معجم الأدباء، ١١: ١٣٢)