تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٣١
مشتقاً، بل يکون علماً او اسم جنس. و انما قالوا: إن جميعهم ليسوا رسل اللّه لقوله تعالي: «يَصطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا»[١] فلو كانوا جميعاً رسلا، لكانوا جميعاً مصطفين، لأن الرسول لا يکون إلا مختاراً مصطفي. و کما قال: «وَ لَقَدِ اختَرناهُم عَلي عِلمٍ عَلَي العالَمِينَ»[٢].
و قوله: «إِنِّي جاعِلٌ» أي فاعل و خالق. و هما يتقاربان. قال الرماني: حقيقة الجعل: تصيير الشيء علي صفة. و الأحداث حقيقة: إيجاد الشيء بعد أن لم يكن موجوداً. و الخليقة: الفعيلة من قولهم: خلف فلان فلاناً في هذا الأمر: إذا قام مقامه فيه بعده، لقوله تعالي: «ثُمَّ جَعَلناكُم خَلائِفَ فِي الأَرضِ مِن بَعدِهِم لِنَنظُرَ كَيفَ تَعمَلُونَ»[٣] يعني بذلك: أبد لكم في الإرض منهم، فجعلكم خلفاً في الإرض من بعدهم. و سمي الخليفة خليفة من ذلک، لأنه خلف من کان قبله، فقام مقامه.
الخلف- بتحريك اللام- يقال: فيمن کان صالحاً.- و بتسكين اللام- إذا کان طالحاً. قال اللّه تعالي «فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ».
و روي عن النبي (صلي اللّه عليه و آله و سلّم) أنه قال: ينقل هذا العلم من کل خلف عدوله.
و قال قوم: سمي اللّه تعالي آدم خليفة، لأنه جعل آدم و ذريته خلفاء الملائكة، لأن الملائكة كانوا سكان الإرض. و قال إبن عباس: انه کان في الإرض الجن، فأفسدوا فيها، و سفكوا الدماء، فاهلكوا، فجعل اللّه آدم و ذريته بدلهم. و قال الحسن البصري: إنما أراد بذلك قوماً يخلف بعضهم بعضاً من ولد آدم الّذين يخلفون أباهم آدم في إقامة الحق و عمارة الإرض. و قال إبن مسعود: أراد أني جاعل في الإرض خليفة يخلفني في الحكم بين الخلق، و هو آدم، و من قام مقامه من ولده. و قيل انه يخلفني في إنبات الزرع و إخراج الثمار، و شق الأنهار. و قيل ان الإرض أراد بها مكة،
روي ذلک عن إبن سارط، أن النبي (ص) قال: دحيت الإرض من مكة و لذلك سميت ام القري. قال: دفن نوح و هود و صالح و شعيب
[١] سورة الحج: آية ٧٥.
[٢] سورة الدخان: آية ٣٢.
[٣] سورة يونس: آية ١٤.