تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٢٣
و مرجعك الي. يريد اني مجازيك و مقتدر عليك و سمي الحشر رجوعاً الي الله، لأنه رجوع الي حيث لا يتولي الحكم فيه غير الله فيجازيكم علي أعمالكم کما يقول القائل: امر القوم الي الأمير أو القاضي و لا يراد به الرجوع من مكان الي مكان و انما يراد به ان النظر صار له خاصة دون غيره فان قال قائل: لم يذكر الله احياء في القبر فكيف تثبتون عذاب القبر قلنا: قد بينا أن قوله: (ثم يحييكم) المراد به احياؤهم في القبر للمساءلة و قوله: «ثُمَّ إِلَيهِ تُرجَعُونَ» معناه احياؤهم يوم القيامة و حذف ثم يميتكم بعد ذلک لدلالة الكلام عليه علي ان قوله: «ثُمَّ يُحيِيكُم» لو کان المراد به يوم القيامة، لم يمنع ذلک من احياء في القبر، و اماتة بعده کما قال تعالي:
«أَ لَم تَرَ إِلَي الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِم وَ هُم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحياهُم»[١] و لم يذكر حياة الّذين أحيوا في الدنيا بعد ان ماتوا. و قال في قوم موسي «فَأَخَذَتكُمُ الصّاعِقَةُ وَ أَنتُم تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثناكُم مِن بَعدِ مَوتِكُم لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ»[٢] و لم يذكر حياتهم في الدنيا و لم يدل ذلک علي أنهم لم يحييوا في الدنيا بعد الموت و كذلك ايضاً لا تدل هذه الآية علي ان المكلفين لا يحيون في قبورهم للثواب و العقاب علي ما أخبر به الرسول (عليه السلام) و قول من قال: لم يكونوا شيئاً. ذهب الي قول العرب للشيء الدارس الخامل: إنه ميت يريد خموله و درسه و في ضد ذلک يقال: هذا أمر حي يراد به، كأنه متعالم في النّاس و من أراد الاماتة الّتي هي خروج الروح من الجسد، فانه أراد بقوله: «وَ كُنتُم أَمواتاً» انه خطاب لأهل القبور بعد احيائهم فيها و هذا بعيد لأن التوبيخ هنالك انما هو توبيخ علي ما سلف، و فرط من اجرامهم لا استعتاب و استرداع و قوله: «كَيفَ تَكفُرُونَ بِاللّهِ وَ كُنتُم أَمواتاً» توبيخ مستعتب، و تأنيب مسترجع من خلقه من المعاصي الي الطاعة، و من الضلالة الي الانابة و لا انابة في القبر و لا توبة فيها بعد الوفاة و احسن الوجوه مما قدمنا ما ذكر إبن عباس و بعده قول قتادة.
[١] سورة البقرة آية ٢٤٣.
[٢] سورة البقرة: آية ٥٤- ٥٥