تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١
تعلقت بان يستعمل الألفاظ المحتملة و يجعل الطريق الي معرفة المراد به ضرباً من الاستدلال و لهذه العلة أطال في موضع و أسهب و اختصر في آخر و أوجز و اقتصر و ذكر قصة في موضع و أعادها في موضع آخر. و اختلفت أيضاً مقادير الفصاحة فيه و تفاضلت مواضع منه بعضه علي بعض و الجواب الثاني: ان اللّه تعالي انما خلق عباده تعريضاً لثوابه و كلفهم لينالوا علي المراتب و أشرفها و لو کان القرآن كله محكماً لا يحتمل التأويل و لا يمكن فيه الاختلاف لسقطت المحنة و بطل التفاضل و تساوت المنازل و لم تَبِن منزله العلماء من غيرهم. و انزل اللّه القرآن بعضه متشابهاً ليعمل أهل العقل افكارهم و يتوصلوا بتكلف المشاق و النظر و الاستدلال الي فهم المراد فيستحقوا به عظيم المنزلة و عالي الرتبة.
فان قيل: كيف تقولون، ان القرآن فيه محكم و متشابه، و قد وصفه اللّه تعالي بأنه اجمع محكم! و وصفه في مواضع أخر بأنه متشابه و ذكر في موضع آخر ان بعضه محكم، و بعضه متشابه- کما زعمتم- و ذلک نحو قوله: «الر. كِتابٌ أُحكِمَت آياتُهُ»[١] و قال في موضع آخر: «اللّهُ نَزَّلَ أَحسَنَ الحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً»[٢] و قال في موضع آخر: «هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ»[٣] و هل هذا إلا ظاهر التناقض!
قلنا: لا تناقض في ذلک، لأن وصفه بأنه محكم كله، المراد به انه بحيث لا يتطرق عليه الفساد و التناقض و الاختلاف و التباين و التعارض، بل لا شيء منه إلا و هو في غاية الأحكام- إما بظاهره او بدليله، علي وجه لا مجال للطاعنين عليه. و وصفه بانه متشابه أنه يشبه بعضه بعضاً في باب الأحكام ألذي أشرنا اليه، و أنه لا خلل فيه و لا تباين و لا تضاد و لا تناقض. و وصفه بان بعضه محكم، و بعضه متشابه ما أشرنا اليه، من ان بعضه ما يفهم المراد بظاهره فيسمي محكماً و منه ما يشتبه المراد منه بغيره و ان کان علي المراد و الحق منه دليل فلا تناقض في ذلک بحال.
[١] سورة هود. آية ١
[٢] سورة الزمر. آية ٢٣
[٣] سورة آل عمران. آية ٧