فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٨٥ - الأمر الثاني
الأمر الثاني:
انّ المفهوم يتبع المنطوق في جميع القيود المعتبرة فيه، و انّما التفاوت بينهما بالسلب و الإيجاب، فالموضوع في المفهوم هو الموضوع في المنطوق، و المحمول فيه هو المحمول فيه. فلو قال: ان جاءك زيد في يوم الجمعة راكبا فأكرمه، كان مفهومه ان لم يجئك زيد في يوم الجمعة راكبا فلا تكرمه. و يكفى في انتفاء وجوب الإكرام انتفاء أحد القيود المأخوذة في المنطوق فينتفى وجوب الإكرام إذا جاء زيد في يوم الجمعة غير راكب.
و السّر في ذلك هو ما عرفت: من انّ المفهوم تابع للمنطوق موضوعا و محمولا و نسبة، سوى انّ المنطوق قضيّة موجبة أو سالبة، و المفهوم عكس ذلك، أي يكون مفهوم الإيجاب السلب و مفهوم السلب الإيجاب، و لازم ذلك هو انّه لو كان المنطوق سالبة كلّية كان مفهومه موجبة جزئية، لأنّ نقيض السالبة الكليّة موجبة جزئية، كما انّ نقيض الموجبة الكليّة سالبة جزئية.
و من هنا ربّما يستشكل في الحكم بنجاسة الماء القليل، بمفهوم قوله: إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء، حيث انّ المنطوق سالبة كليّة، لمكان إفادة النكرة في سياق النّفي العموم، فمفاد المنطوق هو عدم نجاسة الكرّ بكلّ نجاسة، و يكون مفهومه هو انّه إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجسه شيء، و النكرة في سياق الإثبات لا تفيد العموم، فأقصى ما يقتضيه المفهوم، هو نجاسة الماء القليل في الجملة بنجاسة ما، و لا يفيد نجاسته بجميع النجاسات، هذا.
و لكن يمكن ان يقال: انّ المباحث الفقهيّة و الأصوليّة انّما يبتنى على الاستظهارات العرفيّة من الأدلة، بخلاف المباحث المنطقيّة، فانّها تبتنى على البراهين العقليّة، و ربّما يكون بين نظر الفقيه و نظر المنطقي العموم من وجه. فقد يكون نقيض السالبة الكليّة موجبة كلّية بحسب ما يستظهر من الدليل، مع انّه بنظر المنطقي يكون النّقيض موجبة جزئية كما في المقام، فانّ المستفاد من المنطوق في مثل قوله: إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء، هو عموم السلب، لا سلب العموم، أي يكون الظاهر من قوله: لم ينجّسه شيء، لم ينجسه كلّ فرد فرد من أنواع النّجاسات: