فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٨٦ - الأمر الثالث
من البول، و الدّم، و المنيّ و غير ذلك، و يكون المنطوق في قوة قوله: إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه الدّم، و البول، و الغائط، و هكذا، لوضوح انّ المراد من الشيء هو أنواع النّجاسات، لا كلّ شيء في العالم، فيكون المفهوم إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجسه الدّم، و البول و الغائط، و غير ذلك، فيكون دليلا على نجاسة الماء القليل بجميع أنواع النّجاسات. و ليست النّكرة في سياق النفي كلفظة (كل) و ما شابهها من أدوات العموم التي يكون لها معنى اسميّ، حتى يصح لحاظها على نحو العام المجموعي و يكون المنفيّ هو سلب العموم، كقوله: لا تأكل كلّ رمانة في البستان، بل العموم المستفاد من النّكرة في سياق النّفي انّما هو بمقدّمات الحكمة، حسب ما يقتضيه المقام، و المنفيّ في المثال انّما هو أنواع النّجاسات، أي كلّ فرد فرد منها، و يلزمه ما ذكرنا من كون المفهوم من مثل هذا المنطوق هو الإيجاب الكلي، لا الجزئي. مع انّه يكفى الإيجاب الجزئي في إثبات نجاسة ماء القليل في الجملة في قبال عدم نجاسته أصلا، كما هو المدّعى، و المسألة فقهيّة ليس المقام محلّ تفصيلها.
الأمر الثالث:
لو تعدّد الشرط، على وجه كان شرطيّة كلّ منهما تنافي شرطيّة الآخر، امّا لتباين الشرطين، أو لحصول أحدهما قبل حصول الآخر دائما، كما في خفاء الأذان و الجدران، الّذي جعل كلّ منهما شرطا لوجوب القصر، مع انّ خفاء الأذان دائما يحصل قبل خفاء الجدران على ما قيل، فهل اللازم رفع اليد عن استقلال كلّ منهما في السّببيّة و جعل كل منهما جزء السّبب؟ أو انّ اللازم رفع اليد عن انحصار كلّ منهما في السّببيّة و جعل كلّ منهما سببا مستقلا. فعلى الأول: يكون الحكم في المثال هو انحصار وجوب التقصير عند خفاء كلّ من الأذان و الجدران معا، و لا يكفى خفاء أحدهما. و على الثاني: يكفى خفاء أحدهما في الحكم. و لكن الوجه الثاني في مثل المثال لا يستقيم، لأنّ المفروض حصول خفاء الأذان دائما قبل حصول خفاء الجدران، فيلزم لغوية جعل خفاء الجدران شرطا، لعدم وصول النوبة إليه أبدا. نعم فيما إذا كان بين الشرطين التّباين في الجملة- و لو بالعموم من وجه- يجري فيه كلّ من الوجهين.