فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٣١ - الأول
و بالجملة: التّسالم على أخذ قيد المندوحة في عنوان المسألة و على صحة الصلاة في الدّار الغصبيّة عند الجهل بالغصب، يكشف كشفا قطعيّا عن كون الجواز من الجهة الأولى كان عندهم مفروغا عنه.
و ما يقال: من انّ الصحة عند الجهل انما هي لوجود الملاك و المقتضى، حيث انّه يعتبر في مورد الاجتماع ثبوت كل من ملاك الحكمين، و بذلك حصل المائز بين باب الاجتماع و باب التّعارض من وجه، فليس بشيء، لأنّ ثبوت الملاك المغلوب بما هو أقوى منه و المسكور بغيره في عالم الجعل و التشريع- بحيث كان الحكم المنشأ في عالم الثبوت و الواقع هو خصوص ما كان واجدا للملاك الغالب و المقتضى الأقوى- لا يصلح ان يكون موجبا للصّحة، فانّ الموجب للصّحة، هو الملاك التّام الّذي لا يكون مكسورا بما هو أقوى منه في عام الجعل و التّشريع.
و الحاصل: انّ تصحيح العبادة بالملاك انّما يكون بعد الفراغ عن ثبوت حكمها و تشريعه مطلقا، غايته انّه وقع التزاحم بين ذلك الحكم و بين حكم آخر في مقام الامتثال و صرف القدرة عند عدم تمكّن المكلّف من كلا الامتثالين. و التّزاحم بين الحكمين امر، و بين المقتضيين امر آخر، بينهما بون بعيد، فانّ تزاحم الحكمين على ما عرفت، انّما يكون في مقام الفعليّة و تحقق الموضوع بعد الفراغ عن تشريعهما على طبق موضوعاتهما المقدّر وجودها، و في هذا القسم من التزاحم يكون لعلم المكلّف و جهله دخل، حيث انّ الحكم المجهول لا يصلح ان يكون مزاحما لغيره، فانّه لا يكون شاغلا لنفسه، فبان لا يكون شاغلا عن غيره أولى.
و اما تزاحم المقتضيين، فانّما يكون في مقام الجعل و التشريع، حيث يتزاحم المقتضيان في نفس الآمر و إرادته، و يقع الكسر و الانكسار بينهما في ذلك المقام، و يكون لعلم الآمر و جهله دخل في تزاحم المقتضيين، حيث لو لم يعلم الآمر بثبوت المقتضيين، لا يعقل ان يقع التزاحم بينهما في إرادة الآمر. و علم المكلّف و جهله أجنبيّ عن ذلك، فان عالم الجعل و التّشريع انّما يكون بيد الآمر، و المأمور أجنبيّ عنه، فيكون لعلم الآمر و جهله دخل، كما انّ عالم الامتثال و صرف القدرة و إعمالها يكون بيد المكلّف، و الآمر أجنبيّ عنه، فيكون لعلم المأمور دخل.