النور الساطع في الفقه النافع - كاشف الغطاء، الشيخ علي - الصفحة ٥٣٢ - (الأول في مقام الإفتاء) عند تعارض الأمارات
إن دعوى اختصاص حكم التخير بالمجتهد. إن كان من جهة دعوى عجز العامي عن العمل بها و العاجز غير مكلف كما لو كان عاجزا في الفرعيات فإنه غير مكلف بها فلا يخفي ما فيه لأن عجزه انما كان من جهة عدم العلم و هو لا يوجب الاختصاص بغيره الذي هو المجتهد كما نشاهد في ذلك العامي القاصر العاجز عن معرفة التكاليف الشرعية الفرعية فإنه كما يجب عليه إن يرجع لمن يعلمها كذلك يجب في تلك أن يرجع لمن يعلمها فهو غير عاجز في الحقيقة لإمكانه الوصول إلى من يعلمها. و إن كان من جهة أن المجتهد عليه أن يفتي بمؤدى ما اختاره لنفسه من الطريق فيكون الطريق الذي اختاره من المتعارضين مؤداه هو الحكم الشرعي للمقلد. ففيه ان المقلد عليه أن يتبع رأي المجتهد في الواقعة و قد كان رأيه هو التخير بين مضمون الخبرين في هذه الواقعة و اختيار أحدهما كان لهوى في نفسه لا علاقة له بالحكم الشرعي و بعبارة أخرى أنه ان كان اختيار أحد الخبرين من تتمة الاستنباط و الاجتهاد و إنه لم يتحصل الاجتهاد للمجتهد قبل الاختيار لعدم حصول الدليل له إلا بعد الأخذ و الاختيار لأحدهما و قبله لا حجة له فأخذه يجعل للخبر حجية عنده غاية الأمر أنه قبل الأخذ له أن يأخذ كل منهما بعنوان الحجية فلهما هذه الشأنية لا أنهما حجتان بالفعل فلا يكون المقلد مخيرا لأن الحكم الشرعي لم يتحقق للمجتهد حتى يقلده العامي فيه فلا يجوز الإفتاء بالتخير، فهو فاسد، لأن الشارع بعد ما حكم بالتخير و وجد المجتهد الموضوع للتخير فيكون المجتهد فارغا عن الاجتهاد و قد تمَّ الاجتهاد قبل الاختيار لأحدهما فيكون الحكم هو التخير بينهما و يكون اختياره لأحدهما من قبيل العمل بالحكم الشرعي. و إن كان من جهة أن حكم الواقعة في الواقع تعينيا لا تخيريا فكيف يفتي بالتخير ففاسد أيضا لأن حكم الواقعة بعنوانها الاولي كذلك، و أما بعنوان تعارض الخبرين فيها فحكمها التخير. و إن كان من جهة ان التخير إنما يكون حكم المتحير و العامي بعد اختيار المجتهد لأحدهما