النور الساطع في الفقه النافع - كاشف الغطاء، الشيخ علي - الصفحة ٥٢٩ - (الأول في مقام الإفتاء) عند تعارض الأمارات
فالخطاب بالتخير لا يختص بالمجتهد غاية الأمر، إن العامي لا يقدر في زماننا هذا على تشخيص مدلول الخبر و شرائط العمل به و دفع معارضاته و المجتهد قادر على ذلك فيكون المجتهد نائبا عن العامي في ذلك و وجب على العامي الرجوع إليه لمعرفة الحكم الشرعي فهذا الاختصاص بالمجتهد و التعيين عليه أمر طارئ لا يمنع من الحكم بالتخير بعد عموم أدلته للعامي و المجتهد نظير اختصاص العمل بالخبر بالمجتهد فإنه عرضي لا يمنع من عموم مؤداه الذي هو الحكم الفرعي للمجتهد و العامي. و قد أجيب عن ذلك بأن الحكم بالتخير بين المتعارضين حكم أصولي كالحكم بوجوب العمل بخبر الواحد و كالحكم بالترجيح للراجح منهما، فإن العامي لا يقدر على العمل بها بخلاف الحكم الفرعي كالحكم بوجوب رد السلام فإن العامي يقدر على العمل به فلذا كان الحكم الأصولي مختص بالمجتهد دون العامي بخلاف الحكم الفرعي.
و الحاصل إن التخير بين الأمارتين المتعارضين تخير في المسألة الأصولية بمعنى انه تخير في أخذ الحكم من أحدهما و استنباطه منه و هذا لا يقدر عليه العامي فهو يغاير التخير في المسألة الفرعية فإنه تخير في العمل بالتكليف كالتخير بين القصر و الإتمام في المواطن الأربعة أو خصال الكفارة فالأول يختص بالمجتهد كالخطاب بالترجيح للراجح من المتعارضين فإنه يختص بالمجتهد و كالخطاب بالحدود المتوجه للحكام فلا تعلق لهذا الحكم بالعامي فلذا لا يصح للمجتهد أن يفتي به للعامي بخلاف التخير في المسألة الفرعية فإن العامي قادر عليه و متمكن من امتثاله. إن قلت:
إن الخطابات الشرعية بالمسائل الأصولية متوجهة للعوام أيضا فإن العوام في عصر النبي (ص) و الأئمة (ع) كان يرجعون للأخبار المروية عنهم (ص) و يعملون بها و يعالجون متعارضاتها بما ورد عنهم (ع) كما يعمل بها المجتهدون بل المخاطب في كثير منها العوام.
قلنا: نعم لكن في هذه الأعصار التي كثرت فيها الاختلاطات و الأفكار