النور الساطع في الفقه النافع - كاشف الغطاء، الشيخ علي - الصفحة ١٤٠ - الفرق بين الفتوى و الحكم
و اشعار التعليق به بالعلية، فالمراد إلزام الحاكم من حيث انه حاكم و يخرج بذلك فتواه بشيء و لو كانت الفتوى بعبارة الإنشاء لأنه ليس فيها إلزام باعتبار انه حاكم، و لا يخفى ما فيه، فان أخذ الحاكم في تعريف الحكم يلزم منه الدور لأن معرفة الحاكم موقوفة على معرفة الحكم. (و التحقيق) أن يقال إن الفتوى و الحكم يختلفان بالذات، فالأولى يقصد منها الأخبار بحكم اللّه تعالى في الواقعة سواء كانت بصيغة الإنشاء أو بصيغة الاخبار، و سواء كانت في واقعة جزئية مخصوصة، أو في واقعة عامة كلية. و الحكم عبارة عن الإلزام ممن له الفتوى لا من اللّه تعالى بل بإجراء القوانين الشرعية و الفتاوى الدينية على واقعة خاصة و إنفاذها فيها لإثبات حق أو استيفاء حق، أو في المصالح العامة كالهلال و الحكم بالجهاد و الدفاع و نحو ذلك مما يرجع لنظم البلاد أو رفع الفساد فالحكم يتضمن الفتوى دون العكس، فالفرق بينهما جوهري و ذاتي من وجوه:
(الأول) إن الفتوى اخبار عن حكم اللّه تعالى. و الحكم فعل صادر من الحاكم اما إنشاء أو عمل.
(الثاني) إن الحكم الشرعي في الفتوى ينسب للّه تعالى. و في الحكم الاصطلاحي للحاكم.
(الثالث) الفتوى هي الملزم بها و المنفذة، و الحكم هو الإلزام بها.
(الرابع) إن الفتوى يجوز نقضها للمجتهد الآخر في صورة ما إذا خالفه في المبني و المستند، و للمقلد بالرجوع للغير بخلاف الحكم، فإنه ماضي في حقهما ما لم ينكشف الخلاف. فللمجتهد الآخر الأخذ بالحكم و لا يجب عليه الفحص عن صحة مستند الحكم، و كذلك للمقلد الأخذ بالحكم من دون الفحص عن الأعلمية بخلاف الفتوى فإنه لا يجوز للمجتهد الآخر الأخذ بها ما لم يفحص عن مستندها و يكون صحيحا لديه و لا المقلد ما لم تكن من الأعلم.