إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٨ - مسألة
فإن ظهر أن المأخوذ من وجه حلال فذاك،و إلا ترك.و إن من الحزام أقل و المأخوذ مشتبه،فهذا في محل النظر.لأنه على رتبة بين الرتبتين إذ قضينا بأنه لو اشتبه ذكية بعشر ميتات مثلا،وجب اجتناب الكل.و هذا يشبهه من وجه،من حيث إن مال الرجل الواحد كالمحصور،لا سيما إذا لم يكن كثير المال مثل السلطان .و يخالفه من وجه إذ الميتة يعلم وجودها في الحال يقينا،و الحرام الذي خالط ماله يحتمل أن يكون قد خرج من يده و ليس موجودا في الحال.و إن كان المال قليلا،و علم قطعا أن الحرام موجود في الحال،فهو و مسألة اختلاط الميتة واحد.و إن كثر المال،و احتمل أن يكون الحرام غير موجود في الحال،فهذا أخف من ذلك،و يشبه من وجه الاختلاط بغير محصور كما في الأسواق و البلاد،و لكنه أغلظ منه لاختصاصه بشخص واحد،و لا يشك في أن الهجوم عليه بعيد من الورع جدا.و لكن النظر في كونه فسقا مناقضا للعدالة.و هذا من حيث النقل أيضا.غامض،لتجاذب الأشباه،و من حيث النقل أيضا غامض،لان ما ينقل فيه عن الصحابة من الامتناع في مثل هذا و كذا عن التابعين،يمكن حمله على الورع،و لا يصادف فيه نص على التحريم.و ما ينقل من إقدام على الأكل،كأكل أبي هريرة رضى اللّه عنه طعام معاوية مثلا ،إن قدر في جملة ما في يده حرام،فذلك أيضا يحتمل أن يكون إقدامه بعد التفتيش و استبانه أن عين ما يأكله من وجه مباح فالأفعال في هذا ضعيفة الدلالة،و مذاهب العلماء المتأخرين مختلفة،حتى قال بعضهم لو أعطاني السلطان شيئا لأخذته ،و طرد الإباحة فيما إذا كان الأكثر أيضا حراما،مهما لم يعرف عين المأخوذ،و احتمل أن يكون حلالا.و استدل بأخذ بعض السلف جوائز السلاطين،كما سيأتي في باب بيان أموال السلاطين فأما إذا كان الحرام هو الأقل،و احتمل أن لا يكون موجودا في الحال،لم يكن الأكل حراما.و إن تحقق وجوده في الحال،كما في مسألة اشتباه الذكية بالميتة،فهذا مما لا أدرى ما أقول فيه،و هو من المشابهات التي يتحير المفتي فيها،لأنها مترددة بين مشابهة المحصور و غير المحصور.و الرضيعة إذا اشتبهت بقرية فيها عشر نسوة وجب الاجتناب.و إن كان ببلدة فيها عشرة آلاف لم يجب و بينهما أعداد،و لو سئلت عنها لكنت لا أدرى ما أقول فيها