إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٤ - فالاحتمالات خمسة
ممن هو زائد على حاجته يومه.و إذا لم يراع حاجة اليوم و السنة فما الذي نراعى،و كيف يضبط، و هذا يؤدى إلى بطلان سياسة الشرع .و إغراء أهل الفساد بالفساد فلا يبقى إلا الاحتمال الرابع،و هو أن يقال كل ذي يد على ما في يده،و هو أولى به،لا يجوز أن يؤخذ منه سرقة و غصبا،بل يؤخذ برضاه.و التراضي هو طريق الشرع،و إذا لم يجز إلا بالتراضي فللتراضى أيضا منهاج في الشرع،تتعلق به المصالح.فان لم يعتبر،فلم يتعين أصل التراضي و تعطل تفصيله و أما الاحتمال الخامس،و هو الاقتصار على قدر الحاجة،مع الاكتساب بطريق الشرع من أصحاب الأيدي،فهو الذي نراه لائقا بالورع لمن يريد سلوك طريق الآخرة.و لكن لا وجه لإيجابه على الكافة،و لا لإدخاله في فتوى العامة.لان أيدي الظلمة تمتد إلى الزيادة على قدر الحاجة في أيدي الناس.و كذا أيدي السراق،و كل من غلب سلب.و كل من وجد فرصة سرق.و يقول لا حق له إلا في قدر الحاجة،و أنا محتاج.و لا يبقى إلا أن يجب على السلطان أن يخرج كل زيادة على قدر الحاجة من أيدي الملاك،و يستوعب بها أهل الحاجة، و يدرّ على الكل الأموال يوما فيوما،أو سنة فسنة،و فيه تكليف شطط و تضييع أموال أما تكليف الشطط:فهو أن السلطان لا يقدر على القيام بهذا مع كثرة الخلق.
بل لا يتصور ذلك أصلا.
و أما التضييع:فهو أن ما فضل عن الحاجة من الفواكه و اللحوم و الحبوب ينبغي أن يلقى في البحر،أو يترك حتى يتعفن .فإن الذي خلقه اللّه من الفواكه و الحبوب زائد على قدر توسع الخلق و ترفههم،فكيف على قدر حاجتهم ثم يؤدى ذلك إلى سقوط الحج و الزكاة و الكفارات المالية،و كل عبادة نيطت بالغنى عن الناس إذا أصبح الناس لا يملكون إلا قدر حاجتهم.و هو في غاية القبح.بل أقول لو ورد نبي في مثل هذا الزمان لوجب عليه أن يستأنف الأمر،و يمهد تفصيل أسباب الاملاك بالتراضي و سائر الطرق،و يفعل ما يفعله لو وجد جميع الأموال حلالا من غير فرق و أعنى بقولى يجب عليه،إذا كان النبي ممن بعث لمصلحة الخلق في دينهم و دنياهم.إذ لا يتم الصلاح برد الكافة إلى قدر الضرورة و الحاجة إليه.فإن لم يبعث للصلاح لم يجب هذا.