إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٦ - فالاحتمالات خمسة
عن طريقهم،و يشتغلوا بأمور الدنيا.و ذلك قسمة سبقت بها المشيئة الأزلية.و إليه الإشارة بقوله تعالى نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [١]فإن قيل:لا حاجة إلى تقدير عموم التحريم حتى لا يبقى حلال،فإن ذلك غير واقع.و هو معلوم.و لا شك في أن البعض حرام.و ذلك البعض هو الاقل أو الأكثر فيه نظر.و ما ذكرتموه من أنه الاقل بالإضافة إلى الكل جلى.و لكن لا بد من دليل محصل على تجويزه ليس من المصالح المرسلة.و ما ذكرتموه من التقسيمات كلها مصالح مرسلة ،فلا بد لها من شاهد معين تقاس عليه،حتى يكون الدليل مقبولا بالاتفاق،فإن بعض العلماء لا يقبل المصالح المرسلة.
فأقول:إن سلم أن الحرام هو الاقل،فيكفينا برهانا عصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و الصحابة،مع وجود الربا و السرقة و الغلول و النهب.و ان قدر زمان يكون الأكثر هو الحرام،فيحل التناول أيضا،فبرهانه ثلاثة أمور الأول:التقسيم الذي حصرناه،و أبطلنا منه أربعة،و أثبتنا القسم الخامس.فان ذلك إذا أجرى فيما إذا كان الكل حراما،كان أحرى فيما إذا كان الحرام هو الأكثر أو الأقل و قول القائل هو مصلحة مرسلة هوس.فإن ذلك إنما تخيل من تخيله في أمور مظنونة، و هذا مقطوع به.فإنا لا نشك في أن مصلحة الدين و الدنيا مراد الشرع،و هو معلوم بالضرورة،و ليس بمظنون.و لا شك في أن رد كافة الناس إلى قدر الضرورة أو الحاجة، أو إلى الحشيش و الصيد،مخرب للدنيا أولا،و للدين بواسطة الدنيا ثانيا.فما لا يشك فيه لا يحتاج إلى أصل يشهد له،و إنما يستشهد على الخيالات المظنونة المتعلقة بآحاد الأشخاص البرهان الثاني:أن يعلل بقياس محرر،مردود إلى أصل يتفق الفقهاء الآنسون بالأقيسة الجزئية عليه .و إن كانت الجزئيات مستقرة عند المحصلين،بالإضافة إلى مثل ما ذكرناه من الأمر الكلى،الذي هو ضرورة النبي لو بعث في زمان عم التحريم فيه،حتى لو حكم بغيره لخرب العالم
[١] الزخرف:٣١