إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٥ - الحق الخامس
إذ قال وَ لٰكِنْ لاٰ تُحِبُّونَ النّٰاصِحِينَ [١]و هذا في عيب هو غافل عنه.فأما ما علمت انه يعلمه من نفسه فإنما هو مقهور عليه من طبعه،فلا ينبغي أن يكشف فيه ستره إن كان يخفيه، و إن كان يظهره فلا بد من التلطف في النصح،بالتعريض مرة،و بالتصريح أخرى،إلى حد لا يؤدى إلى الإيحاش.فإن علمت أن النصح غير مؤثر فيه،و أنه مضطر من طبعه إلى الإصرار عليه فالسكوت عنه أولى.و هذا كله فيما يتعلق بمصالح أخيك في دينه أو دنياه أما ما يتعلق بتقصيره في حقك،فالواجب فيه الاحتمال و العفو و الصفح،و التعامي عنه.و التعرض لذلك ليس من النصح في شيء.نعم إن كان بحيث يؤدى استمراره عليه إلى القطيعة،فالعتاب في السر خير من القطيعة.و التعريض به خير من التصريح.و المكاتبة خير من المشافهة.و الاحتمال خير من الكل.إذ ينبغي أن يكون قصدك من أخيك إصلاح نفسك بمراعاتك إياه،و قيامك بحقه،و احتمالك تقصيره،لا الاستعانة به،و الاسترفاق منه.قال أبو بكر الكتاني: صحبني رجل و كان على قلبي ثقيلا،فوهبت له يوما شيئا على أن يزول ما في قلبي،فلم يزل.فأخذت بيده يوما إلى البيت،و قلت له ضع رجلك على خدي،فأبى فقلت لا بد،ففعل.فزال ذلك من قلبي.و قال أبو علي الرباطي: صحبت عبد اللّه الرازي،و كان يدخل البادية،فقال علي أن تكون أنت الأمير أو أنا،فقلت بل أنت.فقال و عليك الطاعة؟فقلت نعم فأخذ مخلاة و وضع فيها الزاد،و حملها على ظهره، فإذا قلت له أعطني،قال أ لست قلت أنت الأمير؟فعليك الطاعة.فأخذنا المطر ليلة،فوقف على رأسي إلى الصباح و عليه كساء،و أنا جالس يمنع عنى المطر.فكنت أقول مع نفسي، ليتني مت و لم أقل أنت الأمير.
الحق الخامس
العفو عن الزلات و الهفوات.
و هفوة الصديق لا تخلو إمّا أن تكون في دينه بارتكاب معصية،أو في حقك بتقصيره في الأخوة أما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية.
و الإصرار عليها،فعليك التلطف في نصحه بما يقوم أوده،و يجمع شمله،و يعيد إلى الصلاح
[١] الأعراف:٧٩