إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٨ - بيان
البغض،إما في الإعراض و التباعد عنه،و قلة الالتفات إليه،و إما في الاستخفاف و تغليظ القول عليه،و هذا أشد من الإعراض،و هو بحسب غلظ المعصية و خفتها.و كذلك في الفعل أيضا رتبتان،إحداهما قطع المعونة و الرفق و النصرة عنه،و هو أقل الدرجات.و الأخرى السعي في إفساد أغراضه عليه،كفعل الأعداء المبغضين،و هذا لا بد منه،و لكن فيما يفسد عليه طريق المعصية.أما ما لا يؤثر فيه فلا مثاله:رجل عصى اللّه بشرب الخمر،و قد خطب امرأة لو تيسر له نكاحها لكان مغبوطا بها،بالمال و الجمال و الجاه،إلا أن ذلك لا يؤثر في منعه من شرب الخمر،و لا في بعث و تحريض عليه.فإذا قدرت على إعانته ليتم له غرضه و مقصوده،و قدرت على تشويشه ليفوته غرضه،فليس لك السعي في تشويشه.أما الإعانة فلو تركتها إظهارا للغضب عليه في فسقه،فلا بأس.و ليس يجب تركها.إذ ربما يكون لك نية في أن تتلطف بإعانته،و إظهار الشفقة عليه،ليعتقد مودتك و يقبل نصحك،فهذا حسن.و إن لم يظهر لك،و لكن رأيت أن تعينه على غرضه قضاء لحق إسلامه،فذلك ليس بممنوع،بل هو الأحسن،إن كانت معصيته بالجناية على حقك أو حق من يتعلق بك.و فيه نزل قوله تعالى وَ لاٰ يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ إلى قوله تعالى أَ لاٰ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّٰهُ لَكُمْ [١]إذ تكلم مسطح بن أثاثة في واقعة[١]الإفك،فحلف أبو بكر أن يقطع عنه رفقه،و قد كان يواسيه بالمال،فنزلت الآية مع عظم معصية مسطح و أية معصية تزيد على التعرض لحرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم!و إطالة اللسان في مثل عائشة رضى اللّه عنها!إلا أن الصديق رضى اللّه عنه،كان المجنى عليه في نفسه بتلك الواقعة و العفو عمن ظلم و الإحسان إلى من أساء من أخلاق الصديقين.و إنما يحسن الإحسان إلى من ظلمك.فأما من ظلم غيرك،و عصى اللّه به،فلا يحسن الإحسان إليه.لأن في الإحسان إلى الظالم إساءة إلى المظلوم،و حق المظلوم أولى بالمراعاة،و تقوية قلبه بالإعراض عن الظالم أحب إلى اللّه من تقوية قلب الظالم.فأما إذا كنت أنت المظلوم،فالأحسن في حقك العفو و الصفح
[١] النور:٢٢