إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٣ - القسم الرابع أن يحب للّٰه و في اللّه
واحد،و هو أن يكون بحيث لو منعه العلم مثلا،أو تعذر عليه تحصيله منه،لنقص حبه بسببه فالقدر الذي ينقص بسبب فقده هو للّٰه تعالى.و له على ذلك القدر ثواب الحب في اللّه.و ليس بمستنكر أن يشتد حبك لإنسان لجملة أغراض ترتبط لك به،فإن امتنع بعضها نقص حبك و إن زاد زاد الحب.فليس حبك للذهب كحبك للفضة إذا تساوى مقدارهما،لأن الذهب يوصل إلى أغراض هي أكثر مما توصل إليه الفضة.فإذا يزيد الحب بزيادة الغرض،و لا يستحيل اجتماع الأغراض الدنيوية و الأخروية،فهو داخل في جملة الحب للّٰه.و حدّه هو أن كل حب لو لا الإيمان باللّه و اليوم الآخر لم يتصور وجوده،فهو حب في اللّه.و كذلك كل زيادة في الحب،لو لا الإيمان باللّه لم تكن تلك الزيادة،فتلك الزيادة من الحب في اللّه.فذلك و إن دق فهو عزيز.قال الجريري:تعامل الناس في القرن الأول بالدين حتى رق الدين و تعاملوا في القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء،و في الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة و لم يبق إلا الرهبة و الرغبة.
القسم الرابع:أن يحب للّٰه و في اللّه
،لا لينال منه علما أو عملا،أو يتوسل به إلى أمر وراء ذاته.و هذا أعلى الدرجات.و هو أدقها و أغمضها.و هذا القسم أيضا ممكن.فإن من آثار غلبة الحب،أن يتعدى من المحبوب إلى كل من يتعلق بالمحبوب و يناسبه و لو من بعد فمن أحب إنسانا حبا شديدا أحب محب ذلك الإنسان،و أحب محبوبه،و أحب من يخدمه و أحب من يثنى عليه محبوبه،و أحب من يتسارع إلى رضا محبوبه،حتى قال بقية بن الوليد:
إن المؤمن إذا أحب المؤمن،أحب كلبه.و هو كما قال.و يشهد له التجربة في أحوال العشاق و يدل عليه أشعار الشعراء.و لذلك يحفظ ثوب المحبوب و يخفيه،تذكرة من جهته،و يحب منزله و محلته و جيرانه،حتى قال مجنون بني عامر
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار و ذا الجدارا
و ما حب الديار شغفن قلبي و لكن حب من سكن الديارا
فإذا المشاهدة و التجربة تدل على أن الحب يتعدى من ذات المحبوب إلى ما يحيط به و يتعلق بأسبابه،و يناسبه و لو من بعد.و لكن ذلك من خاصية فرط المحبة.فأصل المحبة لا يكفي فيه.و يكون اتساع الحب في تعديه من المحبوب إلى ما يكتنفه،و يحيط به،و يتعلق