إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٥ - الدرجة الثانية هو أن يأخذ مال السلطان
حتى قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]حين بعث عبادة بن الصامت إلى الصدقة«اتّق اللّه يا أبا الوليد لا تجيء يوم القيامة ببعير تحمله على رقبتك له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثؤاج فقال يا رسول اللّه أ هكذا يكون؟قال«نعم و الّذي نفسي بيده إلاّ من رحم اللّه»قال فو الذي بعثك بالحق لا أعمل على شيء أبدا .و قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«إنّى لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي.إنّما أخاف عليكم أن تنافسوا»و إنما خاف التنافس في المال.و لذلك قال عمر رضى اللّه عنه،في حديث طويل يذكر فيه مال بيت المال،إنى لم أجد نفسي فيه إلا كالوالى مال اليتيم،إن استغنيت استعففت،و إن افتقرت أكلت بالمعروف .و روى أن ابنا لطاوس افتعل كتابا عن لسانه إلى عمر بن عبد العزيز،فأعطاه ثلاثمائة دينار،فباع طاوس ضيعة له،و بعث من ثمنها إلى عمر بثلاثمائة دينار.هذا مع أن السلطان مثل عمر بن عبد العزيز فهذه هي الدرجة العليا في الورع.
الدرجة الثانية:هو أن يأخذ مال السلطان
،و لكن إنما يأخذ إذا علم أن ما يأخذه من جهة حلال.فاشتمال يد السلطان على حرام آخر لا يضره.و على هذا ينزل جميع ما نقل من الآثار أو أكثرها،أو ما اختص منها بأكابر الصحابة و الورعين منهم،مثل ابن عمر فإنه كان من المبالغين في الورع،فكيف يتوسع في مال السلطان؟و قد كان من أشدهم إنكارا عليهم،و أشدهم ذما لأموالهم،و ذلك أنهم اجتمعوا عند ابن عامر و هو في مرضه و أشفق على نفسه من ولايته،و كونه مأخوذا عند اللّه تعالى بها فقالوا له إنا لنرجو لك الخير،حفرت الآبار،و سقيت الحاج ،و صنعت و صنعت،و ابن عمر ساكت.فقال ما ذا تقول يا ابن عمر؟فقال أقول ذلك إذا طاب المكسب،و زكت النفقة ،و سترد فترى.
و في حديث آخر،أنه قال إن الخبيث لا يكفر الخبيث،و إنك قد وليت البصرة،و لا أحسبك