فقه اهل بیت علیهم السلام - فارسی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٥٢ - رساله خطى تقديم الشياع على اليد الحسين بن عبدالصمد الحارثي (پدر شيخ بهائى)
لا يخفى، ولنمثل لذلك مثالاً يقبله اللبيب: وذلك فيما لو شهد جماعة متكثرة، لا رابطة بينهم ولا غرض لهم دنيوي في اثبات ما شهدوا به، ولا عداوة لهم مع الشهود عليه ، بأنّ هذه القرية وقف على المسجد الفلاني ، أو أظهر المدّعي حسب قبالة قديمة، عليها آثار الصحة ، قد تطرزت بخطوط العلماء في تلك الاعصار القديمة ، وتأكدت بخطوط القضاة واهل الاعتبار على توالي الأعصار ، فلا يشك أحد في أنّه يحصل العلم بصحة ذلك. ولو قال أحد: يحتمل كذب جميع هؤلاء الشهود وتزوير هذه القبالة أو كذب هؤلاء العلماء والقضاة الذين وضعوا خطوطهم عليها، قلنا: وإنّ احتمل ذلك ، لكنه خلاف العلم العادي الذي يحكم بمقتضاه العقلاء ، فيكون ارتكاب خلافه عنتا ومغالطة ؛ لصريح العقل على نحوما يرتكبه السوفسطائيّة ، وكيف يرجّح الدعوى بمجرّد اليد التي لا تدل على الملك بوجه على هذا العلم العادي؟ {انّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} . (١) وقد صرحوا بأنّ الخبر المحفوف بالقرائن يفيد العلم ، والمقصود به العادي لا القطعي ، ومثّلوا له بما لو كان القاضي مريضا مدنفا، وأخبر واحد أنّه مات ، وسمعنا الصياح من داره ، ورأينا المغسّلين قد توجهوا إليه ، وحملوا معهم النعش والألواح لتغسيله ؛ فانه يعلم أنّه قد مات وإن كان في نفس الامر قد يكون كل ذلك كذبا ، أو توهم نشأ من إغماء ونحوه، أو يكون قد مات بعض ولده الذين كانوا صحاحا ولم يمت هو، ولكن امثال هذه الاحتمالات لا يقدح في حصول العلم .
وقد صرح العلماء بجواز الاعتماد على القرائن في مواضع لا توصل إلى حد العلم بل تفيد ظنا كالقبول من المميز في الهديّة ، وفتح الباب والاذن في الدخول والموت ، وأكل الضيف بتقديم الطعام من دون إذن ، والتصرف في الهدية من غير لفظ ، والشهادة في الاعسار عند الصبر على الجوع والعري ، والشهادة بالعدالة ؛ لانها أمر ظاهري لا تحقيقي ونحوذلك ، فكيف بما أفاد علما عاديا تركن نفوس العقلاء الى مثله ، ولما كان اكثر فروع الفقه من الظنيّات ، فلوجعلنا تفتح أبواب الاحتمالات وتوسّع دوائر التأويلات لم يتم لنا شيء من تلك الفروع في العبادات ولا في المعاملات ، فلا جرم رفض العلماء قاطبة ، بل جميع
(١) سورة ق : ٣٧.