في بعض الاوقات، وإذا كان المدار حصول الظن الغالب المتأخم للعلم الذي قلّ أن يحصل في الشاهدين وجب العلم به بطريق الأولى. وليس لك أن تقول :لا نسلّم أنّ الظن يحصل به اكثر، لأنّا نقول: البحث إذا حصل فمداره وجدإنّ الحاكم وإلاّ لم يحكم .
إن قلت: لو وجب العلم به إذا افاد ظنا راجحا على البينة لم يختص بالامور المعدودة ووجب اطراده في كل شيء يعين الدليل .
قلت: بحثنا في الاشياء المعدودة ، وأمّا غيرها فان ثبت بدليل أنّه لا يعمل به فيها فهو المخصص، وإلاّ أجريناه فيه .
الوجه الرابع :أنّه لولم يقدّم الشياع على اليد لزم الحرج الشديد والفساد العتيد كما هوواقع في أكثر الأملاك والأوقاف التي قد استولى عليه من لا يرجوا أو لايخاف ، وشاهد الفساد: أنّه قد رسخ في مسامعهم أنّ اليد لا تنزع بالشياع وأنّ الخطوط والقبالات لا تقلّد ، والعدول في الأقطار إمّا معدومون أو مجهولون أو قليلون بحيث لا يمكنهم الاطلاع على أكثر المعاملات والتصرفات الواقعة بين الناس ، فكلّ من وضع يده على وقف أو ملك للغير بإجارة ونحوها أو بغصب أمكنه أن يدعي ملكيتها حبا للعاجل وميلاً الى زهرة الدنيا ، ويتم له ذلك لما ذكرناه. وحينئذ ينسد باب المعاملات كالعارية والاجارة والمزارعة؛ لما فيه من الخطر العظيم بتضييع الأموال بغير حق، وفي ذلك من الضرر والحرج ما لا يخفى ، بل يؤدي إلى أن يستولي المتغلّبون وأهل الفساد على أموال الضعفاء المنقولة، بل والأكابر، ويتم لهم ذلك لما قدّمنا ، بل يؤدي من الفساد إلى ما هو أكثر من ذلك بل أكبر من كل فساد، وهو استرقاق الأحرار إذا كانوا صغارا ؛ لأنّ النسب إنما يثبت بالشياع ويستحيل أو يندر ثبوته بالشهود، فاذا لم يقدم الشياع على اليد آمكن كل من وضع يده على صغير أن يدّعي رقّيته ويتم ذلك لغيره مما قلناه ، وهذا نهاية الفساد والحرج الذي ليس بعده فساد ولا حرج.
وإذا كان الخلاف في هذه المسألة واقعا والدليل على ما قلنا بيّنا ساطعا ، فما الباعث على التقليد في هذا الوجه الضعيف المؤدي إلى الفساد العنيف وطرح ما قام عليه البرهان المنيف.
اللهم ألهمنا المراد واجعلنا من أهل الرشاد وصالحي العباد، إنك أنت الكريم الجواد.