المستند في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ مرتضى البروجردي - الصفحة ٢٣
على أنّ ذلك مناف لحكمة التشريع ، فإنّ الزكاة إنّما شرّعت لعلاج مشكلة الفقر ودفعه عن المجتمع كما اُشير إليه في النصوص المزبورة ، ومن البيّن أنّ دفع زكوات البلد التي ربّما تبلغ الاُلوف أو الملايين لفقير واحد ـ ولو دفعة واحدة ـ وجعله من أكبر الأثرياء مع إبقاء سائر الفقراء على حالهم لا يجامع مع تلك الحكمة ، بل يضادّها وينافيها كما لا يخفى .
بل يمكن أن يقال بانعدام موضوع الفقر لدى دفع الزائد ، فلم يكن عنوان الفقير محفوظاً ليشمله الإطلاق على تقدير تسليم انعقاده .
وتوضيحه : أنّ الزكاة موضوعها الفقير ، فلا بدّ من فرض الفقر حال دفع الزكاة . نعم ، الموضوع هو الفقر مع قطع النظر عن الدفع ، فلا مانع من زواله المستند إلى دفع الزكاة إليه كما نطقت به النصوص ، وأمّا زواله مقارناً لدفع الزكاة إليه فهو قادح ، لانعدام الموضوع ، وقد عرفت لزوم فرضه عند الدفع . ومن ثمّ لو أصبح الفقير غنيّاً حال الدفع لعلّة اُخرى ـ كما لو فرضنا أنّ والده مات في نفس الآن الذي دفعت إليه الزكاة بالدقّة العقليّة فورث منه مالاً كثيراً في تلك اللحظة بعينها ـ لم يجز له أخذ الزكاة إذا لم يكن فقيراً حال القبض. نعم ، في المرتبة السابقة كان كذلك ، إلاّ أنّ الاعتبار بالزمان بأن يُفرض زمان هو فقير فيه ليدفع إليه ، ولم يكن كذلك ، لفرض غناه في نفس الآن الذي دُفعت إليه الزكاة .
والمقام من هذا القبيل ، إذ لو فرضنا أنّ مؤونته السنويّة مائة دينار فدفع إليه مائتين دفعة واحدة فقد ارتفع فقره بإحدى المائتين ، ومعه لا مسوّغ لأخذ المائة الاُخرى ، لزوال فقره مقارناً لنفس هذا الآن ، فلم يكن فقيراً عند تسلّمه .
وهذا نظير الملاقاة للنجاسة حال تتميم القليل كرّاً بأن كانت الملاقاة والإتمام في آن واحد بالدقّة العقليّة، فإنّه لا يحكم حينئذ بالانفعال ، إذ المعتبر فيه حدوث