المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٩
وقد يمكن ان يكون تلك الابل من صدقة تطوع، لانه ليس في الحديث أنها الصدقة الواجبة فلما أمكن كل ذلك ونحن على يقين من أنه ليس في الصدقة جمل رباعى أصلا لم يحل ترك اليقين للظنون، وقد تكلمنا في معنى هذا الخبر في كتاب (الايصال) وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم لا يمكن البتة أن يستسلف البكر لنفسه ثم يقضيه من إبل الصدقة، والصدقة حرام عليه بلا شك ولا خلاف، صح أنه عليه السلام قال: الصدقة (لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) فنحن على يقين من أنه إنما استسلفه لغيره، لا يمكن غيرذلك، فصار الذى اخذ البكر من الغارمين، لان السلف في ذمته، وهو أخذه، فإذ هو من الغارمين فقد صار حظه في الصدقة، فقضى عنه منها، لا يجوز غير ذلك. وكذلك أيضا لا نشك أن الذى كان يستقرض منه البكر كان من بعض أصناف الصدقة، ولولا ذلك ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم من حق أهل الصدقات فضلا على حقه * قال أبو محمد: وانما في هذا الخبر دليل على المنع من تقديم الصدقة قبل وقتها لانه لو كان ذلك جائزا لما استقرض عليه السلام على الصدقة وانتظر حتى يحين وقتها، بل كان يستعجل صدقة من بعض أصحابة، فلما لم يفعل ذلك عليه السلام صح أنه لا يجزى أداء صدقة قبل وقتها. وبالله تعالى نتأيد * فبطل كل ما موهوا به، وصح أن كل ما احتجوا به ليس فيه إجازة إعطاء أكثر من الواجب في الزكاة ولا غير الصفة المحدودة فيها وأما القيمة فلادليل لهم على جوازها أصلا، بل البرهان ثابت بتحريم أخذها، لانها غير ما أمر الله تعالى به، وتعدى لحدود الله، وقد قال الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) وقال تعالى: (فمن بدله بعد ما سمعه فأنما إثمه على الذين يبدلونه). * فان قالوا: إن كان نظرا لاهل الصدقة فما يمنع منه؟ * قلنا: النظر كله لاهل الصدقة أن لا يعطوا ما حرمه الله تعالى عليهم، إذ يقول تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم يبنكم بالباطل) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فصح أنه لا يحل من مال أحد إلا ما أباحه الله تعالى منه أو أوجبه فيه فقط، وما أباح تعالى قط أخذ قيمة عن زكاة افترضها بعينها وصفتها وما ندرى في أي نظر معهود بيننا وجدوا أن تؤخذ الزكاة من صاحب خمس من الابل لا تقوم به، وعند أبى حنيفة ممن لا يملك إلا وردة واحد أخرجتها قطعة أرض له: ولا تؤخذ من صاحب جواهر ورقيق ودور بقيمة مائة ألف! ولا من صاحب تسع وعشرين بقرة وستع وثلاثين شاة وخمس أواقى غير درهم من الفضة!