المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٥٤
وقال من رأى ان الخلطة لا تحيل حكم الصدقة: معنى قوله صلى الله عليه وسلم (لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة) هو أن يكون لثلاثة مائة وعشرون شاة، لكل واحد ثلها، فيجب على كل واحد شاة، فنهوا عن جمعها وهى متفرقة [١] في ملكهم تلبيسا على الساعي أنها لواحد فلا يأخذ الا واحدة، والمسلم يكون له مائتا شاة وشاتان فيجب عليه ثلاث شياه، فيفرقها قسمين ويلبس على الساعي أنها لاثنين، لئلا يعطى منها الاشاتين، وكذلك نهى المصدق أيضا عن أن يجمعأ على الاثنين فصاعدا مالهم ليكثر ما يأخذ، وعن أن يفرق مال الواحد في الصدقة، وان وجده في مكانين متباعدين [٢] ليكثر ما يأخذ * وقالوا: ومعنى قوله عليه السلام: (كل خليطين يتراد ان بينهما بالسوية) هو أن الخليطين في اللغة التى بها خاطبنا عليه السلام هما ما اختلط معا غيره فلم يتميز، ولذلك سمى الخليطان من النبيذ بهذا الاسم، وأما ما لم يختلط مع غيره فليسا خليطين، هذا مالا شك فيه، قالوا: فليس الخليطان في المال الا الشريكين فيه اللذين لا يتميز مال أحدهما من الآخر، فان تميز فليسا خليطين، قالوا: فإذا كان خليطان كما ذكرنا وجاء المصدق ففرض عليه أن يأخذ من جملة المال الزكاة الواجبة على كل واحد منهما في ماله، وليس عليه أن ينتظر قسمتهما لمالهما، ولعلهمها لا يريد ان القسمة، وان كان حاضرين فليس له ان يجبرهما على القسمة، فإذا أخذ زكاتيهما فانهما يترادان بالسوية، كاثنين لاحدهما ثمانون شاة وللآخر أربعون، وهما شريكان في جمعيها، فيأخذ المصدق شاتين، وقد كان لاحدهما ثلثا كل شاة منهما وللآخر ثلثها، فيترادان بالسوية، فيبقى لصاحب الاربعين تسع وثلاثيون، ولصاحب الثمانمين تسع وسبعون * قال أبو محمد: فاستوت دعوى الطائفتين في ظاهر الخبر، ولم تكن لاحداهما مزية على الاخرى في الخبر (٣) المذكور * فنظرنا في ذلك فوجدنا تأويل الطائفة التى رأت أن الخلطة لا تحيل حكم الزكاة أصح، لان كثيرا من تفسيرهم المذكور متفق من جميع أهل العلم على صحته، وليس شى من تفسير الطائفة الاخرى مجمعا عليه، فبطل تأويلهم لتعريه من البرهان، وصح تأويل الاخرى (٤) لانه لا شك في صحة ما اتفق عليه، ولا يجوز أن يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قول لا يدل على صحته نص ولا إجماع، فهذه حجة صحيحة * ووجدنا أيضا الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (ليس فيما دون خمسة ذود صدقة) وأن من لم يكن له الا أربع من الابل فلا صدقة عليه،) وليس فيما دون أربعين شاة شى)
[١] في النسخة رقم (١٦) (مفترقة)
[٢] في النسخة رقم (١٦) (الحديث (٤) في النسخة رقم (١٦) (الآخرين) *