المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١١٩
والزكاة، فلما نزلا لم نؤمر ولن ننه عنه، ونحن نفعله) [١] * قال أبو محمد: وهذا الخبر حجة لنا عليهم، لان فيه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر، فصار أمرا مفترضا ثم لم ينه عنه، فبقى فرضا كما كان، وأما يوم عاشواء فلو لا أنه عليه السلام صح أنه قال بعد ذلك: (من شاء صامه ومن شاء تركه) لكان فرضه باقيا، ولم يأت مثل هذا القول في زكاة الفطر، فبطل تعلقهم بهذا الخبر، وقد قال تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر زكاة، فهى داخلة في أمر الله تعالى بها، والدلائل [٢] على هذا تكثر جدا * وروينا عن وكيع عن سفيان الثوري عن عصام بن سليمان عن عصام بن سليمان الاحول عن محمد بن سيرين وأبى قلابة قالا جميعا: زكاة الفطر فريضة: وهو قول الشافعي وأبى سليمان وغيرهما * وأجاز قوم أشياء [٣] غير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قوم: يجزئ فيها القمح وقال آخرون: والزبيب والاقط [٤] * واحتجوا بأشياء منها: أنهم قالوا: انما يخرج كل أحد مما يأكل ومن قوت أهل بلده، فقلنا: هذه دعوى باطل بلا برهان، ثم قد نقضتموها لانه إنما يأكل الخبز لا الحب، فأوجبوا أن يعطى خبزا لانه هو أكله، هو قوت أهل بلده، فان قالوا: هو غير ما جاء به الخبر، قلنا: صدقتم وكذلك ما عدا التمر والشعير * وقالوا: انما خص عليه السلام بالذكر التمر والشعير لانهما كانا قوت أهل المدينة * قال أبو محمد: وهذا قول فاحش جدا، أول ذلك أنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكشوف! لان هذا القائل قوله عليه السلام ما لم يقل، وهذا عظيم جدا * (
[١] هذا الحديث بلفظيه رواه النسائي (ج ٥ ص ٤٩) باسنادين: احدهما من طريق الحكم بن عتيبة عن القاسم عن عمر ابن شرحبيل عن قيس. والآخر من طريق سلمة بن كهيل عن القاسم عن ابى عمار الهمداني عن قيس، وهما اسنادان صحيحان رواتهما ثقات، والعجب ان ابن حجر قال في الفتح (ج ٣ ص ٢٩١): (وتعقب بأن في اسناده راويا مجهولا) وتبعه في هذا السيوطي في شرح النائى والشوكانى في نيل الاوطار (ج ٤ ص ٢٥٠)! وهو خطأ، فليس فيه مجهول قط، والحق انه لا دليل فيه على النسخ كما قال ابن حجر: لاحتمال الاكتفاء بالامر الاول، لان نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر) وكما قال المؤلف هنا، واما حكاية ابن حزم عن مالك القول بأنها ليست فرضا فهو وهم منه أو ممن نقل عنه، قال مالك في الموطأ (ص ١٢٤): (تجب زكاة الفطر على اهل البادية كما تجب على اهل القرى، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس، على كل حر أو عبد ذكر أو انثى من المسلمين) وانما حكاه السيوطي في شرح النسائي عن ابراهيم بن علية وابا بكر الاصم وأشهب من المالكية وابن اللبان من الشافعية، وحكاه ابن رشد في بداية المجتهد (ج ١ ص ٢٥٣) عن بعض المتأخرين من اصحاب مالك.
[٢] في النسخة رقم (١٦) (والدليل) وهو خطأ
[٣] في النسخة رقم (١٦) (شيئا) وهو خطأ
[٤] بفتح الهمزة مع كسر القاف أو ضمها أو فتحها أو اسكانها، وبكسر الهمزة مع كسر القاف. أو اسكانها، وبضم الهمزة مع اسكان القاف فقط، وهو شئ يتخذوا من اللبن المخيض، كأنه نوع من الجبن الجاف *