الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٣٤ - (المسألة الثالثة) وجوب الابتداء بالأعلى في غسل الوجه
من التكليف الثابت بيقين، و هو لا يتم الا بالغسل من الأعلى.
و ما ذكره البعض- من ان تحصيل يقين البراءة إنما هو من الاحتياط المستحب و ليس بواجب- فليس على إطلاقه، و ذلك فان تحصيل يقين البراءة اما ان يكون بعد ثبوت الحكم شرعا بإرادة المطابقة لما هو الحكم واقعا و الخروج من جميع الاحتمالات المنافية للمطابقة، و هذا هو المستحب، كالتنزه عن جوائز الظالم و نحوه، و نكاح من علم ارتضاعها معه لكن لم يعلم حصول القدر المحرم و لا عدمه، و نحو ذلك، و اما ان يكون مع عدم ثبوت الحكم شرعا، فيكون الغرض من الاحتياط تحصيله، و هذا هو الواجب، و لا يخفى ان ما نحن فيه من قبيل الثاني دون الأول، فإن عدم ثبوت الحكم و معلوميته أعم من ان يكون لعدم الدليل بالكلية، أو لتعارض الأدلة، أو لاشتباه الحكم منها، أو نحو ذلك، و ما نحن فيه من قبيل الثاني، لتعارض ظاهر الآية و الأخبار. و الجمع الذي ذكروه بينهما لا يتعين المصير اليه، لاحتمال غيره بل رجحانه عليه، فيبقى الحكم في قالب الاشتباه.
و توهم استحباب الاحتياط في مثل ذلك مردود بالأخبار المستفيضة الدالة على الأمر بالوقوف على جادة الاحتياط مع الشك و الاشتباه، كما تقدم لك بيانه في المقدمة الرابعة.
و من ذلك
ما ورد عن الصادق (عليه السلام) في جملة من الأخبار في كلامه مع بعض الزنادقة المنكرين للصانع [١] حيث قال (عليه السلام): «ان يكن الأمر كما نقول- و هو كما نقول- فقد نجونا و هلكتم، و ان يكن الأمر كما تقولون- و ليس كما تقولون- فنحن و أنتم سواء، و لن يضرنا ما صلينا و صمنا. الحديث».
و فيه دلالة على وجوب سلوك ما فيه النجاة و دفع الضرر عند الاشتباه، و هو بعينه ما ذكروه من الدليل العقلي على وجوب معرفة الصانع، من انها لدفع الضرر، و هو واجب. و كما يجب دفع الضر المحقق فكذا دفع الضرر المشتبه، فان من عرض
[١] المروية في الكافي في باب (حدوث العالم و إثبات المحدث) من كتاب التوحيد.