الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٤
قولهم لو لم يكن كذلك لكان ذلك تكليفا بأمور مجددة مسلم وما المانع منه
قولكم لو كان كذلك لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا دون ما
ذكر أولا لا نسلم ذلك . وما المانع أن يكون قد أوجب عليهم بعد السؤال الأول
ذبح بقرة متصفة بالصفات المذكورة أولا ثم أوجب بعد ذلك اعتبار الصفات
المذكورة ثانيا ولا منافاة بين الحالتين.
قولكم لو كان كذلك لما كان الجواب مطابقا للسؤال وهو خلاف الأصل فهو
معارض بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لو ذبحوا أية بقرة
أرادوا لأجزأتهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم . وهذا يدل على أن
ذلك كان ابتداء إيجاب لا بيانا لأن البيان ليس بتشديد بل تعيين ما هو
الواجب . ولا يخفى أن موافقة ظاهر النص الدال على تنكير البقرة وظاهر قول
ابن عباس أولى من موافقة ما ذكروه من لزوم مطابقة الجواب للسؤال لما فيه من
موافقة أصلين ومخالفة أصل واحد وما ذكروه بالعكس.
ثم وإن سلمنا أن المأمور به كان بقرة معينة في نفس الأمر غير أنهم
سألوا البيان الإجمالي أو التفصيلي الأول ممنوع والثاني مسلم . ولا يلزم من
جواز تأخير البيان التفصيلي تأخير البيان الإجمالي كما هو مذهب أبي الحسين
البصري .وليس تقييد سؤالهم بطلب البيان مع إطلاقه بالإجمالي أولى من
التفصيلي ولا محيص عنه . وربما أورد على هذا الاحتجاج ما لا اتجاه له
كقولهم ما المانع أن يكون البيان مقارنا للمبين غير أنهم لم يتبينوا أن
الأمر بالذبح كان ناجزا وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع .أما أولا فلأنه
لو كان البيان حاصلا لفهموه ظاهرا ولما سألوا عنه وأما ثانيا فلأن الأمر
بالذبح كان مطلقا والأمر المطلق على التراخي عند صاحب هذه الحجة على ما سبق
تقريره . ولو كان على الفور فتأخير بيانه عنه أيضا غير ممتنع على أصله
لكونه قائلا بجواز التكليف بما لا يطلق كما سبق تحقيقه.
الحجة الخامسة أنه لما نزل قوله تعالى:إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون [١] قال عبد الله بن الزبعرى فقد عبدت الملائكة والمسيح
>[١]. ٢١ الأنبياء ٩٨