كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٦٢ - باب غرض الكتاب لعبد اللّه بن المقفّع معرّب هذا الكتاب
أبواب الهزل فهو كرجل أصاب أرضا طيّبة حرّة [١] و حبّا صحيحا فزرعها و سقاها حتى إذا قرب خيرها و أينعت تشاغل عنها بجمع ما فيها من الزّهر و قطع الشّوك فأهلك بتشاغله ما كان أحسن فائدة و أجمل عائدة [٢] .
و ينبغي للنّاظر في هذا الكتاب أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أعراض: أحدها ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير النّاطقة ليسارع لقراءته أهل الهزل من الشّبّان فتستمال به قلوبهم له لأنّه الغرض الوارد من حيل الحيوانات، و الثّاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الأصباغ و الألوان ليكون أنسا لقلوب الملوك و يكون حرصهم عليه أشدّ للنزهة في تلك الصّور، و الثّالث أن يكون على هذه الصّفة فيتّخذه الملوك و السوقة فيكثر بذلك انتساخه و لا يبطل فيخلق على مرور الأيّام، و لينتفع بذلك المصوّر و الناسخ أبدا، و الغرض الرّابع و هو الأقصى مخصوص بالفيلسوف خاصّة.
قال عبد اللّه بن المقفّع لمّا رأيت أهل فارس قد فسّروا هذا الكتاب من الهنديّة إلى الفارسيّة و ألحقوا به بابا و هو باب برزويه الطّبيب، و لم يذكروا فيه ما ذكرنا في هذا الباب لمن أراد قراءته و اقتباس علومه و فوائده وضعنا له هذا الباب فتأمّل ذلك ترشد إن شاء اللّه تعالى.
[١] أرضا حرة: بالضم أي خالية من الشوائب.
[٢] عائدة: منفعة.