كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٩٥ - باب الأسد و الثور
قال كليلة: إنّ الثور لو لم يجتمع مع شدّته رأيه لكان كما تقول و لكنّ له مع شدّته و قوّته حسن الرّأي و العقل فما ذا تستطيع له؟قال دمنة: إنّ الثّور لكما ذكرت في قوّته و رأيه و لكنه مقرّ لي بالفضل و أنا خليق أن أصرعه [١] كما صرعت الأرنب الأسد، قال كليلة: و كيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أنّ أسدا كان في أرض كثيرة المياه و العشب، و كان في تلك الأرض من الوحوش في سعة المياه و المرعى شيء كثير، إلاّ أنه لم يكن ينفعها ذلك لخوفها من الأسد، فاجتمعت و أتت إلى الأسد فقالت له: إنك لتصيب منا الدّابّة بعد الجهد و التعب، و قد رأينا لك رأيا فيه صلاح لك و أمن لنا، فإن أنت أمّنتنا و لم تخفنا فلك علينا في كلّ يوم دابّة نرسل بها إليك في وقت غدائك، فرضي الأسد بذلك و صالح الوحوش عليه و وفين له به، ثمّ إنّ أرنبا أصابتها القرعة و صارت غداء الأسد، فقالت للوحوش: إن أنتنّ رفقتنّ بي فيما لا يضرّكنّ رجوت أن أريحكنّ من الأسد، فقالت الوحوش: و ما الذي تكلّفينا من الأمور؟قالت:
فأمرن الذي ينطلق بي إلى الأسد أن يمهلني ريثما [٢] أبطئ عليه بعض الإبطاء فقلن لها: ذلك لك. فانطلقت الأرنب متباطئة [٣] حتى جاوزت الوقت الذي كان يتغدّى فيه الأسد، ثم تقدّمت إليه وحدها رويدا [٤] و قد جاع فغضب و قام من مكانه نحوها فقال لها: من أين أقبلت؟قالت: أنا رسول الوحوش إليك بعثنني و معي أرنب لك فتبعني أسد في بعض تلك الطريق فأخذها مني و قال: أنا أولى بهذه الأرض و ما فيها من الوحوش، فقلت له: إن هذا غداء الملك أرسلت به الوحوش معي إليه فلا تغضبنّه، فسبّك و شتمك فأقبلت مسرعة لأخبرك، فقال الأسد:
[١] أصرعه: أهلكه.
[٢] ريثما: من الريث و هو المقدار.
[٣] متباطئة: متأخرة.
[٤] رويدا: على مهل.