كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٨٦ - باب الأسد و الثور
يحضر باب الملك إذا كان قد أطيلت جفوته [١] من غير جرم [٢] كان منه، أو كان مبغيّا عليه عند سلطانه، أو كان عنده معروفا بالشّره و الحرص، أو كان قد أصابه ضرّ و ضيق فلم ينعشه [٣] ، أو كان قد اجترم جرما فهو يخاف العقوبة منه، أو كان يرجو شيئا يضرّ الملك و له منه نفع، أو يخاف في شيء ممّا ينفعه ضرّا، أو كان لعدوّ الملك سلما [٤] و لسلمه حربا، فليس السّلطان بحقيق أن يعجل بالاسترسال إلى هؤلاء [٥] و الثّقة بهم و الائتمان لهم، و إنّ دمنة داهية [٦] أديب و قد كان ببابي مطروحا مجفوّا، و لعلّه قد احتمل عليّ بذلك ضغنا [٧] ، و لعلّ ذلك يحمله على خيانتي و إعانة عدوّي و نقيصتي عنده، و لعلّه أن يصادف صاحب الصوت أقوى سلطانا منّي فيرغب به عني و يميل معه عليّ، ثم قام من مكانه فمشى غير بعيد فبصر بدمنة مقبلا نحوه فطابت نفسه بذلك و رجع إلى مكانه.
و دخل دمنة عليه فقال له الأسد: ما ذا صنعت و ما ذا رأيت؟قال: رأيت ثورا و هو صاحب الخوار و الصوت الذي سمعته، قال: فما قوّته؟قال لا شوكة [٨] له و قد دنوت منه و حاورته محاورة الأكفاء [٩] فلم يستطع لي شيئا، قال الأسد: لا يغرّنّك ذلك منه و لا يصغرنّ عندك أمره، فإنّ الريح الشديدة لا تعبأ بضعيف الحشيش لكنّها تحطم طوال النّخل و عظيم الشّجر، قال دمنة: لا تهابنّ أيّها الملك منه شيئا، و لا يكبرنّ عليك أمره فأنا آتيك به فأجعله لك عبدا سامعا مطيعا، قال الأسد: دونك و ما بدا لك، فانطلق دمنة إلى الثّور فقال له غير هائب و لا مكترث: إنّ الأسد أرسلني إليك لآتيه بك و أمرني إن أنت عجّلت إليه طائعا أن أؤمّنك على ما سلف من ذنبك في
[١] جفوته: مقاطعته.
[٢] جرم: أي ذنب.
[٣] ينعشه: ينهضه من عثرته.
[٤] سلما: مسالما.
[٥] بمعنى الاستئمان لهم و الاطمئنان اليهم.
[٦] داهية: من الدهاء و هو جودة الرأي و الأدب يقال رجل داه وده و داهية.
[٧] ضغنا: حقدا.
[٨] الشوكة: شدة البأس.
[٩] الأكفاء: الأمثال.