كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٧٨ - باب الأسد و الثور
لم يدرك ما أراد من حاجته لأنه إن لم يكتسب لم يكن له مال يعيش به... و إن هو كان ذا مال و اكتساب، ثمّ لم يحسن القيام عليه أو شك المال أن يفنى و يبقى معدما [١] و إن هو وضعه و لم يستثمره لم تمنعه قلة الإنفاق من سرعة الذّهاب كالكحل الذي لا يؤخذ منه إلاّ غبار الميل، ثمّ هو مع ذلك سريع فناؤه، و إن هو أنفقه في غير وجهه و وضعه في غير موضعه و أخطأ به مواضع استحقاقه صار بمنزلة الفقير الذي لا مال له، ثمّ لم تمنع ذلك أيضا ما له من التّلف بالحوادث و العلل التي تجري عليه كمحبس الماء الذي لا تزال المياه تنصبّ فيه فإن لم يكن له مخرج و مفيض و متنفس يخرج الماء منه بقدر ما ينبغي خرب و سال و نزّ من نواح كثيرة و ربّما انبثق [٢] البثق العظيم فذهب الماء ضياعا، ثمّ إنّ بني الشّيخ اتّعظوا بقول أبيهم و أخذوا به و علموا أنّ فيه الخير و عوّلوا عليه، فانطلق أكبرهم نحو أرض يقال لها ميّون فأتى في طريقه على مكان فيه وحل كثير و كان معه عجلة يجرّها ثوران يقال لأحدهما شتربة و للآخر بندبة. فوحل شتربة في ذلك المكان فعالجه الرّجل و أصحابه حتى بلغ منهم الجهد فلم يقدروا على إخراجه، فذهب الرّجل و خلّف عنده رجلا يشارفه [٣] لعلّ الوحل ينشف فيتبعه به فلمّا بات الرّجل بذلك المكان تبرّم به [٤] و استوحش فترك الثّور و التحق بصاحبه فأخبره أنّ الثّور قد مات و قال له: إنّ الإنسان إذا انقضت مدّته و حانت منيّته فهو و إن اجتهد في التّوقّي من الأمور التي يخاف فيها على نفسه الهلاك لم يغن ذلك عنه شيئا و ربّما عاد اجتهاده في توقيه و حذره وبالا عليه.
كالذي قيل إنّ رجلا سلك مفازة [٥] فيها خوف من السباع و كان الرجل خبيرا بوعث [٦] تلك الأرض و خوفها، فلمّا سار غير بعيد اعترض له ذئب من أحد الذئاب
[١] معدما: فقيرا.
[٢] انبثق: انفجر.
[٣] يشارفه: يحافظ عليه.
[٤] تبرم به: سئمه.
[٥] المفازة: الموضع المهلك.
[٦] الوعث: مثلثة الطريق الشاق المسلك.