كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٥ - باب مقدمة الكتاب
فالحكمة كنز لا يفنى على الإنفاق، و ذخيرة لا يضرب لها بالإملاق، و حلّة لا تخلق جدّتها، و لذة لا تصرم مدّتها، و لئن كنت عند مقامي بين يدي الملك أمسكت عن ابتدائه بالكلام فإنّ ذلك لم يكن مني إلا لهيبته و الإجلال له، و لعمري إنّ الملوك لأهل أن يهابوا و لا سيّما من هو في المنزلة التي جلّ فيها الملك عن منازل الملوك قبله، و قد قالت العلماء: الزم السكوت فإنّ فيه السلامة، و تجنّب الكلام الفارغ فإنّ عاقبته الندامة، و حكي أنّ أربعة من العلماء ضمّهم مجلس ملك فقال لهم:
ليتكلّم كلّ منكم بكلام يكون أصلا للأدب، فقال أحدهم: أفضل خلة [١] العلماء السكوت، و قال الثاني: إنّ من أنفع الأشياء للإنسان أن يعرف قدر منزلته من عقله، و قال الثالث: أنفع الأشياء للإنسان أن لا يتكلّم بما لا يعنيه، و قال الرابع:
أروح [٢] الأمور للإنسان التسليم للمقادير، و اجتمع في بعض الأزمان ملوك الأقاليم من الصّين و الهند و فارس و الرّوم و قالوا: ينبغي أن يتكلّم كلّ منّا بكلمة تدوّن عنه على غابر [٣] الدّهر، قال ملك الصّين: أنا على ما لم أقل أقدر مني على ردّ ما قلت، قال ملك الهند: عجبت لمن يتكلّم بالكلمة فإن كانت له لم تنفعه و إن كانت عليه أوبقته [٤] ، قال ملك فارس: أنا إذا تكلّمت بالكلمة ملكتني و إذا لم أتكلّم بها ملكتها، قال ملك الرّوم: ما ندمت على ما لم أتكلّم به قطّ و لقد ندمت على ما تكلّمت به كثيرا، و السكوت عند الملوك أحسن من الهذر [٥] الذي لا يرجع منه إلى نفع، و أفضل ما استظلّ [٦] به الإنسان لسانه، غير أنّ الملك أطال اللّه مدّته لمّا فسح لي في الكلام و أوسع لي فيه كان أولى ما أبدأ به من الأمور التي هي غرضي أن تكون ثمرة ذلك له دوني و أن أختصّه بالفائدة قبلي، على أنّ العقبى [٧] هي ما أقصد
[١] الخلة: الخصلة.
[٢] أروح: تفضيل من الراحة.
[٣] غابر: ماضي و يستعمل بمعنى الباقي و هو من الأضداد.
[٤] أوبقته: أهلكته.
[٥] الهذر: الهذيان.
[٦] و في نسخة: و أعضل ما استضل.
[٧] العقبى: العاقبة.