كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٤ - باب مقدمة الكتاب
أوّل ما أقول إني أسأل اللّه تعالى بقاء الملك على الأبد و دوام ملكه على الأمد، لأنّ الملك قد منحني في مقامي هذا محلاّ جعله شرفا لي على جميع من بعدي من العلماء، و ذكرا باقيا على الدهر عند الحكماء، ثم أقبل على الملك بوجهه مستبشرا به فرحا بما بدا له منه و قال: قد عطف عليّ الملك بكرمه و إحسانه، و الأمر الذي دعاني الى الدخول على الملك و حملني على المخاطرة في كلامه و الاقدام عليه نصيحة اختصصته بها دون غيره، و سيعلم من يتّصل به ذلك أنّي لم أقصّر عن غاية فيما يجب للمولى على الحكماء، فإن فسح في كلامي و وعاه عني فهو حقيق بذلك، و إن هو ألقاه فقد بلغت ما يلزمني و خرجت من لوم يلحقني. قال الملك يا بيدبا تكلّم مهما شئت فإني مصغ إليك و مقبل عليك و سامع منك حتى أستفرغ ما عندك إلى آخره و أجازيك على ذلك بما أنت أهله.
قال بيدبا: إني وجدت الأمور التي اختصّ بها الانسان من بين سائر الحيوان أربعة أشياء و هي جماع [١] ما في العالم. و هي الحكمة و العفّة و العقل و العدل.
و العلم و الأدب و الرويّة [٢] داخلة في باب الحكمة، و الحلم و الصّبر و الوقار داخلة في باب العقل، و الحياء و الكرم و الصيانة و الأنفة [٣] داخلة في باب العفّة، و الصّدق و الإحسان و المراقبة [٤] و حسن الخلق داخلة في باب العدل، و هذه هي المحاسن، و أضدادها هي المساوئ، فمتى كملت هذه في واحد لم يخرجه النقص في نعمته إلى سوء الحظّ من دنياه و لا إلى نقص من عقباه [٥] و لم يتأسّف على ما لم يعن التوفيق ببقائه و لم يحزنه ما تجري به المقادير في ملكه و لم يدهش عند مكروه،
[١] جماع الشيء بوزن كتاب، جمعه. يقال جماع الخباء: الأخبية أي جمعها، اما الجماع بوزن رمان فأخلاط الناس من قبائل شتى.
[٢] الروية: إعمال الفكر.
[٣] الأنفة: الترفع عن الدنايا.
[٤] المراقبة: المخافة من اللّه.
[٥] عقباه: آخرته.