كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٠٢ - باب الأسد و ابن آوى
الزاهد في الخير الذي لا يوقن بالآخرة، و ينبغي أن يجزى بعمله، و قد عرفت سرعة الغضب و فرط [١] الهفوة، و من سخط باليسير لم يبلغ رضاه بالكثير، و الأولى لك أن تراجع ابن آوى و تعطف عليه و لا يؤنسنّك من مناصحته ما فرط منك إليه من الإساءة، فإنّ من النّاس من لا ينبغي تركه على حال من الأحوال و هو من عرف بالصّلاح و الكرم و حسن العهد و الشّكر و الوفاء و المحبّة للنّاس و السّلامة من الحسد و البعد من الأذى و الاحتمال للإخوان و الأصحاب و إن ثقلت عليه منهم المئونة [٢] . و أمّا من ينبغي تركه فهو من عرف بالشّراسة و لؤم العهد و قلّة الشّكر و الوفاء و البعد من الرّحمة و الورع و اتّصف بالجحود [٣] لثواب الآخرة و عقابها و قد عرفت ابن آوى و جرّبته و أنت حقيق بمواصلته.
فدعا الأسد بابن آوى و اعتذر إليه ممّا كان منه و وعده خيرا و قال: إنّي معتذر إليك و رادّك إلى منزلتك. فقال ابن آوى: إنّ شرّ الأخلاّء [٤] من التمس منفعة نفسه بضرّ أخيه و من كان غير ناظر له كنظره لنفسه أو كان يريد أن يرضيه بغير الحقّ لأجل اتّباع هواه و كثيرا ما يقع ذلك بين الأخلاّء، و قد كان من الملك إليّ ما علم، فلا يغلظنّ على نفسه ما أخبره به أني به غير واثق، و أنّه لا ينبغي لي أن أصحبه فإنّ الملوك لا ينبغي لهم أن يصحبوا من عاقبوه أشدّ العقاب، و لا ينبغي لهم أن يرفضوه أصلا، فإنّ ذا السّلطان [٥] إذا عزل كان مستحقّا للكرامة في حال إبعاده و الإقصاء [٦] له، فلم يلتفت الأسد إلى كلامه.
ثمّ قال له: إنّي قد بلوت طباعك و أخلاقك و جرّبت أمانتك و وفاءك و صدقك
[١] الفرط: اسم من الإفراط يقال إياك و الفرط في الأمر.
[٢] المئونة: الثقل.
[٣] الجحود: الإنكار مع العلم.
[٤] الأخلاء: الأصدقاء.
[٥] ذا السلطان: صاحب السلطنة.
[٦] الإقصاء: الإبعاد.
غ