كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٠١ - باب الأسد و ابن آوى
التّؤدة [١] و التّثبّت من الملوك فإنّ المرأة بزوجها و الولد بوالديه و المتعلّم بالمعلّم و الجند بالقائد و النّاسك بالدّين و العامّة بالملوك و الملوك بالتّقوى و التّقوى بالعقل و العقل بالتّثبّت و الأناة و رأس الكلّ الحزم و رأس الحزم للملك معرفة أصحابه و إنزالهم منازلهم على طبقاتهم و اتّهامه بعضهم على بعض فانّه لو وجد بعضهم إلى هلاك بعض سبيلا لفعل.
و قد جرّبت ابن آوى و بلوت [٢] رأيه و أمانته و مروءته ثمّ لم تزل مادحا له راضيا عنه، و ليس ينبغي للملك أن يخوّنه [٣] بعد ارتضائه إيّاه و ائتمانه له و منذ مجيئه إلى الآن لم يطّلع له على خيانة إلاّ على العفّة و النصيحة، و ما كان من رأي الملك أن يعجّل عليه لأجل طابق [٤] لحم، و أنت أيّها الملك حقيق أن تنظر في حال ابن آوى، و تعلم أنّه لم يكن يتعرّض للحم و لا يأكله فكيف للحم استودعته إيّاه، و لعلّ الملك إن فحص عن ذلك ظهر له أنّ ابن آوى له خصماء هم الذين ائتمروا بهذا الأمر و هم الذين ذهبوا باللّحم إلى بيته فوضعوه فيه، فإنّ الحدأة إذا كان في رجلها قطعة لحم اجتمع عليها سائر الطّير و الكلب إذا كان معه عظم اجتمعت عليه الكلاب، و ابن آوى منذ كان إلى اليوم نافع و كان محتملا لكلّ ضرر في جنب منفعة تصل إليك و لكلّ عناء يكون لك فيه راحة و لم يكن يطوي دونك سرّا.
فبينما أمّ الأسد تقصّ عليه هذه المقالة إذ دخل عليه بعض ثقاته فأخبره ببراءة ابن آوى. فقالت أمّ الأسد: إنّ الملك بعد أن اطّلع على براءة ابن آوى حقيق أن لا يرخّص لمن سعى به [٥] لئلاّ يتجرّءوا على ما هو أعظم من ذلك بل يعاقبهم عليه لكي لا يعودوا إلى مثله، فإنّه لا ينبغي للعاقل أن يراجع في أمر الكفور للحسنى، الجريء على الغدر
[١] التؤدة: التأني و مثلها الأناة.
[٢] بلوت: اختبرت.
[٣] طابق لحم: قطعة منه أو نصف الشاة و يقال للوعاء الذي يطبخ فيه طابق و هو فارسي معرب.
[٤] يخونه: من الخيانة.
[٥] سعى به: وشى عليه.