كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٩١ - باب الملك و الطائر فنزة
لهم و لا وفاء، ويل لمن ابتلى بصحبة الملوك الذين لا حميّة لهم و لا حرمة [١] و لا يحبّون أحدا و لا يكرم عليهم إلاّ إذا طمعوا فيما عنده من غناء [٢] و احتاجوا إلى ما عنده من علم فيكرمونه لذلك، فإذا ظفروا بحاجاتهم منه فلا ودّ و لا إخاء و لا إحسان و لا غفران ذنب و لا معرفة حقّ، هم الذين أمرهم مبنيّ على الرّياء و الفجور، و هم يستصغرون ما يرتكبونه من عظيم الذّنوب، و يستعظمون اليسير إذا خولفت فيه أهواؤهم و منهم هذا الكفور [٣] الذي لا رحمة له الغادر بإلفه و أخيه، ثمّ وثب في شدّة حنقه على وجه الغلام ففقأ عينه، ثمّ طار فوقع على شرفة المنزل.
ثمّ إنّه بلغ الملك ذلك فجزع أشدّ الجزع ثمّ طمع أن يحتال له فوقف قريبا منه و ناداه و قال له: إنّك آمن فانزل يا فنزة. فقال له: أيّها الملك إنّ الغادر مأخوذ بغدره و إنّه و إن أخطأه عاجل العقوبة لم يخطئه الآجل [٤] حتى أنه يدرك الأعقاب [٥] و أعقاب الأعقاب، و إنّ ابنك غدر بابني فعجّلت له العقوبة. قال الملك: لعمري قد غدرنا بابنك فانتقمت منّا فليس لك قبلنا، و ليس لنا قبلك وتر [٦] مطلوب فارجع إلينا آمنا. قال فنزة: لست براجع إليك أبدا فإنّ ذوي الرّأي قد نهوا عن قرب الموتور فإنّه لا يزيدك لطف الحقود و لينه و تكرمته إيّاك إلاّ وحشة منه و سوء ظنّ به، فانّك لا تجد للحقود الموتور أمانا هو أوثق لك من الذّعر منه و لا أجود من البعد عنه و الاحتراس منه أولى.
و قد كان يقال إنّ العاقل يعدّ أبويه أصدقاء و الإخوة رفقاء و الأزواج ألفاء و البنين ذكرا و البنات خصماء و الأقارب غرماء و يعدّ نفسه فريدا، و أنا الفريد الوحيد الغريب الطّريد قد تزوّدت من عندكم من الحزن عبء ثقيلا لا يحمله معي أحد، و أنا ذاهب
[١] حرمة: عهد.
[٢] الغناء (بالفتح و المد) : النفع.
[٣] الكفور: الجاحد النعمة.
[٤] الآجل: ضد العاجل.
[٥] الأعقاب جـ عقب: و هو ولد الرجل و ولد ولده.
[٦] وتر: ثأر، و منه الموتور و هو من قتل له قتيل و لم يأخذ بثأره.