كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٨٦ - باب الجرذ و السّنّور
هو كامن لي و البوم يرصدني، و كلاهما لي و لك عدوّ، فإن أنت جعلت لي الأمان قطعت حبالتك و خلّصتك من هذه الورطة، فإن كان ذلك تخلّص كلّ واحد منّا بسبب صاحبه كالسّفينة و الرّكّاب في البحر فبالسّفينة ينجون و بهم تنجو السّفينة.
فلمّا سمع السّنّور كلام الجرذ و عرف أنّه صادق قال له: إنّ قولك هذا لشبيه بالحقّ و أنا أيضا راغب فيما أرجو لك و لنفسي به الخلاص، ثمّ إنّك إن فعلت ذلك سأشكرك ما بقيت. قال الجرذ: فإني سأدنو منك فأقطع الحبالة كلّها إلاّ حبلا واحدا أبقيه لأستوثق لنفسي منك، ثمّ أخذ في تقريض الحبالة، ثمّ إنّ البوم و ابن عرس لمّا رأيا دنوّ الجرذ من السّنّور أيسا منه و انصرفا، ثمّ إنّ الجرذ أبطأ على روميّ في قطع الحبالة. فقال: ما لي لا أراك جادّا في قطع حبالتي فإن كنت قد ظفرت بحاجتك فتغيّرت عمّا كنت عليه و توانيت [١] في حاجتي فما ذلك من فعل الصّالحين فإنّ الكريم لا يتوانى في حقّ صاحبه.
و قد كان لك في سابق مودّتي من الفائدة و النّفع ما قد رأيت و أنت حقيق [٢] أن تكافئني بذلك و لا تذكر العداوة الّتي بيني و بينك، فالذي حدث بيني و بينك من الصّلح حقيق أن ينسيك ذلك مع ما في الوفاء من الفضل و الأجر و ما في الغدر من سوء العاقبة، فإنّ الكريم لا يكون إلاّ شكورا غير حقود تنسيه الخلّة [٣] الواحدة من الإحسان الخلال الكثيرة من الإساءة، و قد يقال: إنّ أعجل العقوبة عقوبة الغدر، و من إذا تضرّع إليه و سئل العفو فلم يرحم و لم يعف، فقد غدر. قال الجرذ: إنّ الصّديق صديقان طامع و مضطرّ و كلاهما يلتمسان المنفعة و يحترسان من المضرّة. فأمّا الطّامع فيسترسل إليه [٤] و يؤمن في جميع الأحوال، و أمّا المضطرّ ففي بعض الأحوال يسترسل إليه و في
[١] توانيت: فترت و تهاونت.
[٢] حقيق: أهل.
[٣] الخلة: الخصلة.
[٤] يسترسل إليه: يطمأن إليه.