كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٨٢ - باب النّاسك و ابن عرس
السّمن و العسل، و كان يأكل منه قوته و حاجته، و يرفع الباقي و يجعله في جرّة و يعلّقها في وتد في ناحية البيت حتى امتلأت. فبينما النّاسك ذات يوم مستلق على ظهره و العكّازة في يده و الجرّة معلّقة فوق رأسه تفكّر في غلاء السّمن و العسل. فقال: سأبيع ما في هذه الجرّة بدينار، و أشتري به عشر أعنز [١] فيحبلن و يلدن في كلّ خمسة أشهر بطنا، و لا تلبث إلاّ قليلا حتّى تصير غنما كثيرا إذا ولدت أولادها. ثمّ حرّرها على هذا النّحو بسنين فوجد ذلك أكثر من أربعمائة عنز. فقال: أنا أشتري بها مائة من البقر بكلّ أربعة أعنز ثورا أو بقرة و أشتري أرضا و بذرا [٢] و أستأجر أكرة [٣] و أزرع على الثّيران و أنتفع بألبان الإناث و نتائجها فلا تأتي عليّ خمس سنين إلاّ و قد أصبت من الزّرع مالا كثيرا فأبني بيتا فاخرا و أشتري إماء [٤] و عبيدا و أتزوّج امرأة جميلة ذات حسن و أدخل بها فتحبل ثمّ تأتي بغلام سريّ نجيب، فأختار له أحسن الأسماء، فإذا ترعرع أدّبته و أحسنت تأديبه و أشدّد عليه في ذلك فإن قبل منّي و إلاّ ضربته بهذه العكّازة و أشار بيده إلى الجرّة فكسرها و سال ما فيها على وجهه.
و إنّما ضربت لك هذا المثل لكي لا تعجل بذكر ما لا ينبغي ذكره و ما لا تدري أ يصحّ أم لا يصحّ، فاتّعظ النّاسك بما حكت زوجته، ثمّ إنّ المرأة ولدت غلاما جميلا ففرح به أبوه، و بعد أيّام حان لها أن تتطهّر، فقالت المرأة للنّاسك: اقعد عند ابنك حتى أذهب إلى الحمّام فأغتسل و أعود، ثمّ إنها انطلقت إلى الحمّام و خلّفت زوجها و الغلام، فلم يلبث أن جاء رسول الملك يستدعيه و لم يجد من يخلّفه عند ابنه غير عرس داجن [٥] عنده كان قد ربّاه صغيرا فهو عنده عديل ولده فتركه عند الصبيّ و أغلق عليهما البيت و ذهب مع الرّسول.
[١] الأعنز: الأنثى من المعز واحدها عنز.
[٢] البذر: ما عزل للزراعة من الحبوب جمعه بذور و بذار.
[٣] أكرة جـ أكار: و هو الحراث.
[٤] الإماء جـ أمة: الجارية.
[٥] الداجن: ما يألف البيوت من الحيوانات.