كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٦٧ - باب البوم و الغربان
المنقع فيها السّمّ، أ رأيت لو أحرقنا جسمك بالنّار كان جوهرك و طباعك متغيّرة أ ليست أخلاقك تدور معك حيثما درت و تصير بعد ذلك إلى أصلك و طينتك، كالفأرة التي خيّرت في الأزواج بين الشّمس و الريح و السّحاب و الجبل فلم يقع اختيارها إلاّ على الجرذ. قيل له: و كيف كان ذلك؟
قال: زعموا أنّ ناسكا مستجاب الدّعوة بينما هو ذات يوم جالس على ساحل البحر إذ مرّت به حدأة [١] في رجلها درص [٢] فأرة، فوقعت منها عند النّاسك و أدركته لها رحمة فأخذها و لفّها في ورقة و ذهب بها إلى منزله، ثمّ خاف أن تشقّ على أهله تربيتها، فدعا ربّه أن يحوّلها جارية فتحوّلت حسناء، فانطلق بها إلى امرأته فقال لها: هذه ابنتي فاصنعي معها صنيعك بولدي، فلمّا بلغت مبلغ النّساء قال لها النّاسك: يا بنيّة إنك قد أدركت و لا بدّ لك من زوج فاختاري من أحببت حتى أزوّجك به؟فقالت: أمّا إذ خيّرتني فإني أختار زوجا يكون أقوى الأشياء.
فقال النّاسك: لعلّك تريدين الشمس. ثمّ انطلق إلى الشّمس فقال لها: أيّها الخلق العظيم لي جارية و قد طلبت زوجا يكون أقوى الأشياء فهل أنت متزوّجها؟ فقالت الشّمس: أنا أدلّك على من هو أقوى منّي السّحاب الذي يغطّيني و يردّ جرم شعاعي و يكسف أشعّة أنواري. فذهب النّاسك إلى السّحاب فقال له ما قال للشمس، فقال السّحاب: و أنا أدلّك على من هو أقوى منّي فاذهب إلى الرّيح التي تقبل بي و تدبر و تذهب بي شرقا و غربا، فجاء النّاسك إلى الريح فقال لها كقوله للسّحاب، فقالت: و أنا أدلّك على من هو أقوى منّي و هو الجبل الذي لا أقدر على تحريكه، فمضى إلى الجبل فقال له القول المذكور فأجابه الجبل و قال له: أنا أدلّك
[١] الحدأة: طائر معروف جمعه حداء و حداء.
[٢] الدرص (بالفتح و يكسر) : ولد الفأرة و نحوها.