كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٦٠ - باب البوم و الغربان
سعيه في طلب ما يبقى و يعود نفعه عليه غدا [١] و أن يمقت بسعيه ما سوى ذلك من أمور الدنيا فإنّ منزلة المال عند العاقل بمنزلة المدر [٢] ، و منزلة النّاس عنده فيما يحبّ لهم من الخير و يكره من الشرّ بمنزلة نفسه، ثمّ إنّ السّنّور لم يزل يقصّ عليهما من جنس هذا و أشباهه حتى أنسا إليه و أقبلا عليه و دنوا منه فوثب عليهما فقتلهما.
قال الغراب: ثمّ انّ البوم تجمع مع ما وصفت لكنّ من الشّؤم [٣] و سائر العيوب فلا يكوننّ تمليك البوم من رأيكنّ، فلمّا سمع الكراكيّ ذلك من كلام الغراب أضربن عن تمليك البوم، و كان هناك بوم حاضر قد سمع ما قالوا، فقال للغراب: لقد وترتني [٤] أعظم الترة و لا أعلم أنه سلف مني إليك سوء أوجب هذا، و بعد فاعلم أنّ الفأس يقطع بها الشّجر فيعود ينبت، و السّيف يقطع اللّحم، ثم يرجع فيندمل و اللّسان لا يندمل جرحه و لا تؤسى مقاطعه [٥] و أنّ النّصل من السّهم يغيب في اللّحم ثم ينزع فيخرج، و أشباه النّصل من الكلام إذا وصلت إلى القلب لم تنزع و لم تستخرج، و لكلّ حريق مطفئ، فللنّار الماء و للسّمّ الدّواء و للحزن الصّبر و للعشق الفرقة و نار الحقد لا تخبو [٦] أبدا.
و قد غرستم معاشر الغربان بيننا و بينكم شجر الحقد و العداوة و البغضاء، فلمّا قضى البوم مقالته ولّى مغضبا فأخبر ملك البوم بما جرى و بكلّ ما كان من قول الغراب. ثمّ إنّ الغراب ندم على ما فرط منه و قال: و اللّه لقد خرقت [٧] في قولي
[١] غدا: أي في الآخرة.
[٢] المدر: قطع الطين اليابس.
[٣] الشؤم: الشر.
[٤] وترتني: من وتره وترا و وترة إذا أصابه بمكروه.
[٥] تؤسى: أي تداوى. و مقاطعه: أي مواضع قطعه.
[٦] تخبو: تطفأ.
[٧] خرقت: من الخرق أي أسأت.