كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٥٨ - باب البوم و الغربان
و اعلمي أنّ الرسول برأيه و عقله و لينه و فضله يخبر عن عقل المرسل، فعليك باللّين و الرّفق و الحلم و التّأنّي فإنّ الرسول هو الذي يليّن الصدور إذا رفق، و يخشّن الصدور إذا خرق، ثمّ إنّ الأرنب انطلقت في ليلة قمراء حتى انتهت إلى الفيلة، و كرهت أن تدنو منهنّ مخافة أن يطأنها بأرجلهنّ فيقتلنها و إن كنّ غير متعمّدات، فأشرفت على الجبل و نادت ملك الفيلة، و قالت له: إنّ القمر أرسلني إليك و الرّسول غير ملوم فيما يبلّغ و إن أغلظ في القول. قال ملك الفيلة: فما الرّسالة؟قالت: يقول لك إنّه من عرف فضل قوّته على الضّعفاء فاغترّ بذلك في شأن الأقوياء قياسا لهم على الضّعفاء كانت قوّته وبالا عليه، و أنت قد عرفت فضل قوّتك على الدّواب فغرّك ذلك فعمدت إلى العين التي تسمّى باسمي فشربت منها و كدّرتها.
فأرسلني إليك فأنذرك أن لا تعود إلى مثل ذلك، و أنّك إن فعلت يغشّي على بصرك و يتلف نفسك، و إن كنت في شكّ من رسالتي فهلمّ إلى العين من ساعتك فإنّه موافيك بها، فعجب ملك الفيلة من قول الأرنب فانطلق إلى العين مع فيروز الرّسول، فلمّا نظر إليها رأى ضوء القمر فيها فقالت له فيروز الرّسول: خذ بخرطومك من الماء فاغسل به وجهك و اسجد للقمر، فأدخل الفيل خرطومه في الماء فتحرّك فخيّل إلى الفيل أنّ القمر ارتعد فقال: ما شأن القمر ارتعد أ تراه غضب من إدخالي الخرطوم في الماء؟قالت فيروز الأرنب: نعم. فسجد الفيل للقمر مرّة أخرى و تاب إليه ممّا صنع و شرط أن لا يعود إلى مثل ذلك هو و لا أحد من فيلته.
قال الغراب: و مع ما ذكرت من أمر البوم فإنّ فيها الخبّ و المكر و الخديعة، و شرّ الملوك المخادع، و من ابتلي بسلطان مخادع و خدمه أصابه ما أصاب الأرنب و الصّفرد [١] حين احتكما إلى السّنّور، قالت الكراكيّ: و كيف كان ذلك؟
[١] الصفرد: طائر جبان.