كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٥٧ - باب البوم و الغربان
فاستشرنه، فقال: لو أنّ الطّير بادت من الأقاليم [١] و فقد الطّاوس و البطّ و النّعام و الحمام من العالم لما اضطررتنّ إلى أن تملّكن عليكنّ البوم التي هي أقبح الطّير منظرا و أسوأها خلقا و أقلّها عقلا و أشدّها غضبا و أبعدها من كلّ رحمة مع عماها و ما بها من العشا [٢] في النهار، و أشدّ من ذلك و أقبح أمورها سفهها و سوء أخلاقها، إلاّ أن ترين أن تملّكنها، و تكنّ أنتنّ تدبّرن الأمور دونها برأيكنّ و عقولكنّ كما فعلت الأرنب التي زعمت أنّ القمر ملكها ثمّ عملت برأيها. قالت الطّير: و كيف كان ذلك؟
قال الغراب: زعموا أنّ أرضا من أراضي الفيلة تتابعت عليها السّنون و أجدبت [٣] و قلّ ماؤها و غارت عيونها و ذوى [٤] نبتها و يبس شجرها فأصاب الفيلة عطش شديد، فشكون ذلك إلى ملكهنّ فأرسل الملك رسله و روّاده [٥] في طلب الماء في كلّ ناحية، فرجع إليه بعض الرّسل فأخبره أني قد وجدت بمكان كذا عينا يقال لها عين القمر كثيرة الماء فتوجّه ملك الفيلة بأصحابه إلى تلك العين ليشرب منها هو و فيلته. و كانت العين في أرض للأرانب فوطئن الأرانب في أجحارهنّ فأهلكن منهنّ كثيرا، فاجتمعت الأرانب إلى ملكها فقلن له: قد علمت ما أصابنا من الفيلة. قال ليحضر منكنّ كلّ ذي رأي رأيه. فتقدّمت أرنب من الأرانب يقال لها فيروز.
و كان الملك يعرفها بحسن الرّأي و الأدب، فقالت: إن رأى الملك أن يبعثني إلى الفيلة و يرسل معي أمينا ليرى و يسمع ما أقول و يرفعه إلى الملك. فقال لها الملك: أنت أمينة و نرضى بقولك فانطلقي إلى الفيلة و بلّغي عنّي ما تريدين،
[١] الأقاليم جـ إقليم: و هو ما يختص باسم و يتميز به فالشام إقليم و مصر إقليم و قس عليه.
[٢] العشا: ضعف البصر.
[٣] السنون جـ سنة: و هي الجدب و أجدبت أمحلت أي انقطع عنها المطر.
[٤] ذوى: ذبل.
[٥] رواده جـ رائد: و هو الرسول و الكشاف.