كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٥٦ - باب البوم و الغربان
سطوته و إن كان مكثبا [١] لم يأمن وثبته و إن كان وحيدا لم يأمن مكره. و أحزم الأقوام و أكيسهم [٢] من كره القتال لأجل النّفقة فيه. فإنّ ما دون القتال النّفقة فيه من الأموال و القول و العمل، و القتال النفقة فيه من الأنفس و الأبدان و ربّما اكتفي عنه بالنفقة اليسيرة و الكلام اللّيّن، فلا يكوننّ القتال للبوم من رأيك أيّها الملك، فإنّ من قاتل من لا يقوى عليه فقد غرّر بنفسه.
فإن كان الملك محصنا [٣] للأسرار متخيّرا للوزراء مهيبا في أعين النّاس بعيدا من أن يقدر عليه كان خليقا أن لا يسلب صحيح ما أوتي [٤] من الخير. و أنت أيّها الملك كذلك و الملك يزداد برأي وزرائه بصيرة كما يزيد البحر بمجاوره من الأنهار، و قد استشرتني في أمر جوابك منّي عنه في بعضه علانية و قد أجبتك به، و في بعضه سرّ و للأسرار منازل منها ما يدخل فيه الرّهط [٥] و منها ما يستعان فيه بالقوم، و منها ما يدخل فيه الرّجلان، و لست أرى لهذا السّرّ على قدر منزلته أن يشارك فيه إلاّ أربعة آذان و لسانان، فنهض الملك من ساعته و خلا به فاستشاره، فكان أوّل ما سأله عنه الملك أنه قال: هل تعلم ابتداء العداوة ما بيننا و بين البوم؟قال نعم: كلمة تكلّم بها غراب. قال الملك: و كيف كان ذلك؟
قال الغراب: زعموا أنّ جماعة من الكراكيّ [٦] لم يكن لها ملك فأجمعت أمرها على أن تملّك عليها ملك البوم، فبينما هي في مجمعها إذ وقع لها غراب.
فقالت: لو جاءنا هذا الغراب لاستشرناه في أمرنا، فلم يلبثن دون أن جاءهنّ الغراب
[١] مكثبا: قريبا و منه كثيب الرمل لاجتماعه.
[٢] أكيسهم: أعقلهم.
[٣] محصنا للأسرار: كاتما لها.
[٤] أوتي: أعطي.
[٥] الرهط: قوم الرجل و قبيلته، و هنا الجماعة.
[٦] الكراكي واحدة الكركي (بالضم) : طائر معروف.