كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٥١ - باب الحمامة المطوّقة
البلاء الذي لا يزال في تصرّف و تقلّب و لا يدوم له شيء و لا يلبث معه أمر كما لا يدوم للطّالع على النجوم طلوع و لا للآفل منها أفول لكن لا يزال الطّالع منها آفلا و الآفل طالعا، و كما تكون آلام الكلوم [١] و انتقاض [٢] الجراحات كذلك من قرحت [٣] كلومه بفقد إخوانه بعد اجتماعه بهم.
قال الظّبي و الغراب للجرذ: إنّ حذرنا و حذرك و كلامك و إن كان بليغا فإنه لا يغني عن السّلحفاة شيئا، و إنّه كما يقال إنّما يختبر النّاس عند البلاء و ذو الأمانة عند الأخذ و العطاء و الأهل و الولد عند الفاقة و الإخوان عند النّوائب. قال الجرذ: أرى من الحيلة أن تذهب أيّها الظّبي فتقع بمنظر من القانص كأنّك جريح و يقع الغراب عليك كأنّه يأكل منك و أسعى أنا فأكون قريبا من القانص مراقبا له لعلّه أن يرمي ما معه من الآلة و يدع السّلحفاة و يقصدك طامعا فيك راجيا تحصيلك، فإذا دنا منك ففرّ عنه رويدا بحيث لا ينقطع طمعه منك و أمكنه [٤] من أخذك مرّة بعد مرّة حتّى يبعد عنّا، و انح منه هذا النّحو ما استطعت فإني أرجو ألاّ ينصرف إلاّ و قد قطعت الحبائل عن السّلحفاة و أنجو بها.
ففعل الظّبي و الغراب ما أمرهما به الجرذ و تبعهما القانص فاستجرّه [٥] الظّبي حتى أبعده عن الجرذ و السّلحفاة و الجرذ مقبل على قطع الحبالة حتى قطعها و نجا بالسّلحفاة و عاد القانص مجهودا لاغبا [٦] فوجد حبالته مقطّعة، ففكّر في أمره مع
[١] الكلوم جـ كلم: الجرح.
[٢] انتقاض: انتكاس.
[٣] قرحت: خرجت به القروح.
[٤] أمكنه: أجعله يتمكن.
[٥] استجره: أي أخذ يجذبه.
[٦] لاغبا: أي تعبا أشد التعب.