كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٤٩ - باب الحمامة المطوّقة
به، و إنّ أولى أهل الدنيا بشدّة السّرور من لا يزال ربعه [١] من إخوانه و أصدقائه من الصّالحين معمورا، و لا يزال عنده منهم جماعة يسرّهم و يسرّونه و يكون من وراء أمورهم و حاجاتهم بالمرصاد فإنّ الكريم إذا عثر لا يأخذ بيده إلاّ الكرام كالفيل إذا و حل لا تخرجه إلاّ الفيلة، فبينما الغراب في كلامه و الثّلاثة مستأنسون بعضهم ببعض إذ أقبل نحوهم ظبي يسعى فذعرت منه السّلحفاة فغاصت في الماء و دخل الجرذ إلى جحره و طار الغراب فوقع على شجرة، ثمّ إنّ الغراب حلّق في السّماء لينظر هل للظبي طالب، فنظر فلم ير شيئا فنادى الجرذ و السّلحفاة فخرجا، فقالت السّلحفاة للظبي حين رأته ينظر إلى الماء: اشرب إن كان بك عطش و لا تخف فإنّه لا خوف عليك، فدنا الظبي فرحّبت به و حيّته و قالت له: من أين أقبلت؟ قال: كنت بهذه الصحارى راتعا فلم تزل الأساورة [٢] تطردني من مكان إلى مكان حتى رأيت اليوم شبحا [٣] فخفت أن يكون قانصا. قالت: لا تخف فإنّا لم نر هاهنا قانصا قطّ و نحن نبذل لك ودّنا و مكاننا و الماء و المرعى كثير عندنا فارغب في صحبتنا. فأقام الظبي معهم و كان لهم عريش [٤] يجتمعون فيه و يتذاكرون الأحاديث و الأخبار.
فبينما الغراب و الجرذ و السّلحفاة ذات يوم في العريش إذ غاب الظّبي فتوقّعوه [٥] ساعة فلم يأت فلمّا أبطأ أشفقوا أن يكون قد أصابه عنت [٦] فقال الجرذ و السّلحفاة للغراب: هل ترى ممّا يلينا شيئا؟فحلّق الغراب في السّماء فنظر فإذا
[١] ربعه: منزله.
[٢] الأساورة جـ أسوار (بالضم و الكسر) : الرجل الجيد الرمي بالسهام.
[٣] شبحا: شخصا.
[٤] العريش: مكان يستظل به جمعه عرش.
[٥] توقعوه: انتظروه.
[٦] العنت: الأمر الشاق.