كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٤٨ - باب الحمامة المطوّقة
حيث قلّة مالك و سوء حالك و اغترابك عن موطنك، فاطرح ذلك عن قلبك و اعلم أنّ حسن الكلام لا يتمّ إلاّ بحسن العمل، و أنّ المريض الّذي قد علم دواء مرضه إن لم يتداو به لم يغن علمه به شيئا و لم يجد لدائه راحة و لا خفّة، فاستعمل رأيك و لا تحزن لقلة المال فإنّ الرّجل ذا المروءة قد يكرم على غير مال كالأسد الذي يهاب و إن كان رابضا [١] ، و الغنيّ الذي لا مروءة له يهان و إن كان كثير المال كالكلب لا يحفل به [٢] و إن طوّق و خلخل بالذّهب، فلا تكبرنّ عليك غربتك فإنّ العاقل لا غربة له كالأسد الذي لا ينقلب [٣] إلاّ معه قوّته فلتحسن تعهّدك لنفسك فإنّك إذا فعلت ذلك جاء الخير يطلبك كما يطلب الماء انحداره، و إنّما جعل الفضل للحازم البصير، و أمّا الكسلان المتردّد فإنّ الفضل لا يصحبه كما أنّ المرأة الشابّة لا يطيب لها صحبة الشّيخ الهرم و قد قيل في أشياء ليس لها ثبات و لا بقاء: ظلّ الغمامة في الصّيف و خلّة [٤] الأشرار و البناء على غير أساس، و النبأ الكاذب، و المال الكثير، فالعاقل لا يحزن لقلّته و لكنّ ماله عقله و ما قدّم من صالح عمله، فهو واثق بأنه لا يسلب ما عمل و لا يؤاخذ بشيء لم يعمله، و هو خليق أن لا يغفل عن أمر آخرته فإنّ الموت لا يأتي إلاّ بغتة ليس له وقت معيّن، و أنت عن موعظتي غنيّ بما عندك من العلم، و لكن رأيت أن أقضي من حقّك فأنت أخونا و ما قبلنا [٥] مبذول لك.
فلمّا سمع الغراب كلام السّلحفاة للجرذ و ردّها عليه و إلطافها إيّاه فرح بذلك و قال: لقد سررتني و أنعمت عليّ و أنت جديرة أن تسرّي نفسك بمثل ما سررتني
[١] رابضا: آويا في مأواه.
[٢] لا يحفل به: أي لا يبالي به.
[٣] ينقلب: يتحول.
[٤] الخلة (بالكسر) : المصادقة و الاخاء.
[٥] قبلنا: عندنا.